الأعمدة

برعي الصديق قالها قبل أن يرحل.. آمنة ميرغني في مرمى «اللقط»! كتب محمدعثمان الرضي

برعي الصديق قالها قبل أن يرحل.. آمنة ميرغني في مرمى «اللقط»!

كتب محمدعثمان الرضي

◆ قبل أن يغادر الأستاذ برعي الصديق كرسي محافظ بنك السودان المركزي، ويحزم حقائبه مغادراً الموقع، كانت له معي وصية قصيرة. لكنها ليست قصيرة في معناها.

◆ قال لي: «قف مع آمنة ميرغني.. ساعدها.. فهي زميلتي في جامعة الخرطوم، وأنا أعرف قدراتها».

◆ قالها برعي ومضى.

◆ وأنا أتذكرها اليوم.

◆ لماذا؟

◆ لأن الرجل لم يكن يتحدث عن موظفة عابرة. كان يتحدث عن من ستجلس بعده على كرسي يعرف هو جيداً كم هو ساخن!

◆ برعي الصديق يعرف البنك المركزي.

◆ ويعرف أوجاعه.

◆ ويعرف أن المحافظ لا يمسك مفاتيح الخزينة كما يتخيل البعض، ولا يجلس في مكتبه ليحدد لنفسه راتباً على طريقة «أكتب الرقم الذي يعجبني»!

◆ لكنه يعرف أيضاً شيئاً آخر.

◆ يعرف أن كرسي المحافظ ليس مجرد كرسي.

◆ إنه موقع تتقاطع عنده السياسة والاقتصاد والمصالح والنفوذ.

◆ ولذلك لا أستغرب أن تصبح آمنة ميرغني اليوم مادة للحديث والهمس والـ«لَقَط».

◆ الغريب ليس أن تُسأل آمنة.

◆ المسؤول العام يجب أن يُسأل.

◆ والغريب أن يتحول السؤال أحياناً إلى محكمة.

◆ والمحكمة إلى إدانة.

◆ والإدانة إلى «بوست».

◆ والبوست إلى حقيقة!

◆ يا سبحان الله!

◆ هل وضعت آمنة ميرغني راتبها بيدها؟

◆ هل جلست في آخر الشهر، وأمسكت بالقلم، وقالت: «يا جماعة.. أزيدوا لي كذا من المخصصات»؟

◆ أم أن هناك لوائح ونظماً وقرارات مالية سبقت آمنة ميرغني، وستظل قائمة بعد آمنة ميرغني؟

◆ إذا كان راتب المحافظ ومخصصاته منصوصاً عليها في اللوائح، فما ذنب آمنة؟

◆ وإذا كان من سبقها إلى الكرسي قد تمتع بالمخصصات ذاتها أو وفق الأسس نفسها، فلماذا اكتشفنا فجأة أن الراتب صار «قضية وطنية» عندما جلست آمنة على الكرسي؟

◆ هذه ليست دعوة لإعفاء آمنة من الحساب.

◆ أبداً.

◆ بل العكس.

◆ حاسبوها.

◆ ولكن حاسبوها على ما فعلت.

◆ لا على ما وجدته أمامها.

◆ حاسبوها على قراراتها.

◆ على أدائها.

◆ على نتائجها.

◆ على إدارة البنك المركزي.

◆ أما الراتب، فهاتوا اللائحة أولاً.

◆ ثم تحدثوا.

◆ فالبلد ليست ناقصة «لَقَطاً».

◆ السودان اليوم لديه ما يكفيه من الهموم.

◆ اقتصاد منهك.

◆ عملة تتلقى الضربات.

◆ قطاع مصرفي يحتاج إلى إصلاح.

◆ مواطن يبحث عن لقمة العيش قبل أن يبحث عن راتب المحافظ!

◆ ثم نأتي لنضع مخصصات محافظ البنك المركزي في صدر الأخبار وكأننا اكتشفنا أن هناك مسؤولين يتقاضون رواتب!

◆ يا قوم!

◆ المشكلة ليست في أن المسؤول يتقاضى راتباً. المشكلة في أن يتقاضى مالاً بلا قانون.

◆ فإذا كان المال قانونياً، فالقانون هو الحكم.

◆ وإذا كان غير قانوني، فليكن الحساب.

◆ أما الكلام في الهواء، فحتى الهواء لم يعد يحتمل كل هذا الكلام!

◆ وأنا هنا لا أتهم أحداً.

◆ ولا أملك دليلاً على أن وراء هذه الحملة جهة بعينها.

◆ لكنني أسأل.

◆ والسؤال حق الصحافة.

◆ لماذا الآن؟

◆ ولماذا آمنة تحديداً؟

◆ وهل القضية راتب المحافظ فعلاً؟

◆ أم أن الراتب مجرد «مدخل» لمعركة أخرى؟

◆ قد يكون كل ما يقال بريئاً.

◆ وقد تكون هناك معلومات حقيقية تستحق التحقيق.

◆ وقد تكون هناك مصالح تتحرك في الخلفية.

◆ لا أدري.

◆ والله أعلم بما تخفي الصدور.

◆ لكنني أعرف شيئاً واحداً.

◆ الحملات المنظمة لا تحتاج دائماً إلى لافتة مكتوب عليها «نحن حملة منظمة».

◆ أحياناً يكفي أن تتكرر الرسالة.

◆ ويتكرر التوقيت.

◆ وتتكرر النغمة.

◆ ثم يجد المسؤول نفسه فجأة في منتصف النار.

◆ وهذا بالضبط ما يجعلني أعود إلى برعي الصديق.

◆ الرجل الذي غادر الموقع لم يقل لي: «اهدموا من بعدي».

◆ لم يقل: «أنا الأفضل».

◆ لم يقل: «لا أحد يستطيع أن يأتي بعدي».

◆ قال لي ببساطة: «قف مع آمنة».

◆ وهذه وحدها رسالة.

◆ لأن بعض المسؤولين عندما يغادرون المناصب يبدأون في تعداد إنجازاتهم حتى تظن أن المؤسسة ستغلق أبوابها بمجرد خروجهم!

◆ أما برعي، فقد ترك خلفه شهادة لمن جاءت بعده.

◆ وهذه نقطة تحسب له.

◆ نعم.

◆ قد نختلف مع برعي الصديق.

◆ وقد نختلف مع آمنة ميرغني.

◆ لكن الاختلاف شيء.

◆ وتصفية الحسابات شيء آخر.

◆ النقد شيء.

◆ التشويه شيء آخر.

◆ الرقابة شيء.

◆ والاغتيال المعنوي شيء آخر تماماً.

◆ فلا تجعلوا بنك السودان المركزي مسرحاً لمعركة أشخاص.

◆ المؤسسة أكبر من برعي.

◆ وأكبر من آمنة.

◆ وأكبر من كل محافظ جلس على كرسيها.

◆ ومن يريد آمنة فليواجهها بالدليل.

◆ ومن يريد برعي فليواجهه بالدليل.

◆ أما أن نقتل الناس بالهمس، ثم نبحث عن الحقيقة بعد أن يهدأ الغبار، فهذه ليست شجاعة.

◆ وليست صحافة.

◆ وليست غيرة على المال العام.

◆ إنها ببساطة…

◆ تصفية حسابات ترتدي ثوب الوطنية.

◆ وهذا الثوب، مهما كان أنيقاً، لا يخفي صاحبه طويلاً.

◆ فالمنصب عابر. والكرسي عابر. والراتب عابر. وحتى المحافظ عابر. لكن الكلمة تبقى. والظلم يبقى. والتاريخ لا ينسى من استخدم الصحافة سكيناً، ثم ادعى أنه كان يحمل ميزاناً.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى