
بريق أمل
هنادي عوض بشير
ظننتُ أن أقسى ما يمكن أن تفعله الحرب بنا
هو أن تأخذ أحبابنا…
لكنني كنت مخطئة.
الحرب لم تكتفِ بالقتل،
بل لاحقت موتانا،
وسرقت منهم حتى حقهم في السكون.
اليوم، نُقلت رفات أمي وزوجي
من ميدانٍ عام،
حيث دُفنا على عَجَل،
تحت سماء الخوف،
وفي أرضٍ لم تكن قبرًا،
بل شاهدة على الفوضى.
أن يُدفن أحبّتك في ميدان،
يعني أن الحزن نفسه كان بلا مأوى،
أن الوداع كان ناقصًا،
وأن القلب ظلّ معلّقًا
بين الصدمة والانتظار.
ثم يأتي هذا اليوم…
اليوم الذي يُفترض أن يكون أخفّ،
لكنه أثقل من كل ما مضى.
نقل الجثامين ليس إجراءً إداريًا،
إنه إعادة فتحٍ لجراحٍ لم تلتئم،
هو وداعٌ ثانٍ،
وموتٌ جديد داخل الأحياء.
أمي…
كانت الدعاء الذي يسبق خوفي،
وكانت الحياة حين تضيق الحياة.
وزوجي إسماعيل “سمعه”…
كان الأمان في زمنٍ بلا أمان،
وكان الوعد الذي لم يكتمل.
دفنتهما الحرب بعيدًا عن الكرامة،
ثم أعادتهما اليوم إلى قبورٍ تليق،
لكنها لم تُعد قلبي كما كان،
ولم تُصلح ما انكسر داخلي.
في مقابر حمد النيل،
استقرت أجسادهم أخيرًا،
لكن أرواحنا ما زالت تائهة،
تحمل سؤالًا موجعًا:
لماذا نُعاقَب حتى في حزننا؟
هذه الحرب لم تسرق أرواحًا فقط،
بل سرقت الطمأنينة،
وحرمتنا من حزنٍ هادئ،
ومن وداعٍ يشبه الحب.
أكتب لا لأجل البكاء،
بل لأجل الاعتراف:
أن للموت حرمة،
وللأحباب حقًا في قبرٍ آمن،
ولنا نحن…
حقّ أن نحزن دون أن تُعاد علينا الفاجعة
مرةً بعد مرة.
اللهم هذا عبدك، وهذه أمتك،
خرجوا من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة،
فكن لهم أنيسًا من الوحدة،
وأمانًا من الخوف،
ونورًا في القبر، وسعةً في اللحد.
اللهم ارحم أمي، وارحم زوجي إسماعيل (سمعه)،
واغفر لهما، وثبّتهما عند السؤال،
واجعل قبورهما روضةً من رياض الجنة.
اللهم اجزهما عن الإحسان إحسانًا،
وعن التقصير عفوًا وغفرانًا،
ولا تحرمنا أجرهما، ولا تفتنّا بعدهما.
اللهم اجمعني بهما في جناتك،
جمعًا لا فراق بعده،
برحمتك يا أرحم الراحمين.