
دكتور ياسر احمد ابراهيم. أبوحمد… من عاصمة الذهب إلى مدينة صناعية كبرى. الحلقة الثالثة: حين تتحول الثروة من باطن الأرض إلى مصانع تصنع المستقبل.
دكتور ياسر احمد ابراهيم.
أبوحمد… من عاصمة الذهب إلى مدينة صناعية كبرى.
الحلقة الثالثة: حين تتحول الثروة من باطن الأرض إلى مصانع تصنع المستقبل.
ليس من الصعب أن تكتشف ثروة أبوحمد؛ فالذهب يلمع في أعماق أرضها، والنيل يمر بمحاذاتها، والثروات المعدنية تحيط بها، وموقعها يضعها على واحد من أهم المسارات التي يمكن أن تربط شمال السودان بشرقه وبقية أنحاء البلاد.
لكن التحدي الحقيقي ليس في امتلاك الثروة، وإنما في تحويلها إلى إنتاج وصناعة وفرص عمل وتنمية مستدامة.
ومن هنا تبدأ الحكاية الجديدة: أبوحمد من عاصمة للذهب إلى مدينة صناعية كبرى.
فالذهب الذي يُستخرج من المناجم لا ينبغي أن تكون نهايته البيع في صورته الخام. لماذا لا تبدأ في أبوحمد سلسلة متكاملة لصناعة الذهب، من المعالجة والتكرير إلى المشغولات الذهبية والصناعات المرتبطة بها؟ ولماذا لا تصبح المدينة مركزاً لتدريب الشباب على المهن والصناعات المرتبطة بالتعدين؟
والأمر نفسه ينطبق على الرخام والحديد والمايكا وغيرها من الخامات المعدنية. فبدلاً من استخراجها ونقلها إلى أماكن بعيدة، يمكن إقامة مصانع للمعالجة والتصنيع بالقرب من مناطق الإنتاج، لتتحول الثروة الطبيعية إلى قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد السوداني.
المنطقة الصناعية… قلب أبوحمد الجديد
يمكن أن تقوم حول أبوحمد منطقة صناعية حديثة ومخططة، تضم مصانع التعدين والصناعات الغذائية ومواد البناء والرخام والحديد، إلى جانب ورش الصيانة والخدمات الهندسية ومخازن التبريد والتعبئة والتغليف.
ومع اتساع النشاط الزراعي في مناطق نهر النيل، يمكن أن تنشأ صناعات غذائية تعتمد على المنتجات المحلية، مثل اللحوم و التمور و الخضر والفاكهة والحبوب، بما يفتح أسواقاً جديدة للمنتج السوداني ويقلل الفاقد ويرفع دخل المزارعين.
وهكذا يصبح الاقتصاد في أبوحمد قائماً على ثلاثة أضلاع متكاملة: التعدين، والزراعة، والتجارة.
الميناء الجاف… بوابة جديدة للتجارة
ومن أهم المشاريع التي يمكن أن تغير وجه المدينة إنشاء ميناء جاف ومركز لوجستي مرتبط بشبكة الطرق والسكك الحديدية.
فالميناء الجاف يمكن أن يوفر خدمات التخزين والتفريغ وإعادة الشحن والتخليص الجمركي، ويجعل أبوحمد محطة مهمة لحركة البضائع بين مناطق الإنتاج والأسواق الداخلية والموانئ البحرية.
ومع تطوير خط السكة الحديد والطرق القومية، يمكن أن تصبح أبوحمد حلقة وصل استراتيجية بين مصر شمالاً، وبورتسودان شرقاً، ووسط السودان وجنوبه وغربه.
وهنا لا تعود أبوحمد مجرد مدينة تقع على منحنى النيل، بل تتحول إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي.
الصناعة تحتاج إلى إنسان متعلم
ولا يمكن أن تقوم مدينة صناعية كبرى بالمصانع وحدها.
فالنهضة الصناعية تحتاج إلى إنسان مؤهل؛ ولذلك فإن الاستثمار في التعليم الفني والتدريب المهني يجب أن يكون جزءاً أساسياً من مشروع أبوحمد.
معاهد للتعدين، ومدارس صناعية، ومراكز للتدريب على الكهرباء والميكانيكا واللحام وصيانة الآليات وتقنيات التعدين الحديثة، إلى جانب تخصصات الإدارة والنقل والخدمات اللوجستية.
وبذلك يتحول شباب المنطقة من باحثين عن فرص العمل إلى صانعين للفرص.
أبوحمد… مدينة لاستخراج الثروة وصناعتها
المستقبل الذي نريده لأبوحمد ليس مدينة تزدحم بآليات التعدين فقط، ولا مدينة تعيش على عائدات الذهب وحده.
نريدها مدينةً حديثة، فيها منطقة صناعية، ومركز تجاري، وميناء جاف، وشبكة طرق وسكك حديدية، ومؤسسات تعليمية وصحية متطورة، وخدمات مصرفية ولوجستية، ومناطق سكنية مخططة.
مدينة تجمع بين أصالة التاريخ ومتطلبات العصر.
فالذهب يمكن أن يكون بداية النهضة، لكنه لا ينبغي أن يكون نهايتها.
الثروة الحقيقية هي أن نحول الذهب إلى صناعة، والصناعة إلى وظائف، والوظائف إلى حياة كريمة، والتنمية إلى مستقبل للأجيال.
وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تجعل من أبوحمد نموذجاً لمدن السودان الجديدة بعد الحرب؛ مدينة تستثمر مواردها، وتحافظ على بيئتها، وتفتح أبوابها للاستثمار، وتربط السودان بمحيطه العربي والإفريقي.
أبوحمد… عاصمة الذهب اليوم، ولكنها تستطيع أن تكون مدينة الصناعة والتجارة غداً.
وفي الحلقة الرابعة ننتقل من الصناعة إلى بوابة أخرى من بوابات المستقبل:
«أبوحمد… بوابة السياحة والتاريخ: من آثار كوش إلى جزر
ففي أرض أبوحمد لا ينام الذهب وحده؛ فهناك أيضاً تاريخٌ مدفون، وآثارٌ تنتظر من يكتشفها، ونيلٌ يمكن أن يصبح شرياناً للسياحة والتنمية.