الأعمدة

د / عثمان خليفة يكتب … *محاسن علي يعقوب تدفع ثمن قولها لا.. لماذا يرجمون الشجرة المثمرة؟*

د / عثمان خليفة يكتب …

*محاسن علي يعقوب تدفع ثمن قولها لا.. لماذا يرجمون الشجرة المثمرة؟*

 

إن ما تتعرض له وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب اليوم ليس حملة نقد عابرة، بل هو صراع بنيوي عميق بين مشروعين متناقضين للاقتصاد السوداني، مشروع يريد للسودان أن يبقى سوقاً مفتوحاً لتصريف فائض مصانع الخارج، ومشروع تحمله الوزيرة يريد له أن يصبح مصنعاً ينتج غذاءه وكساءه بيد أبنائه.

 

لفهم دوافع الاستهداف يجب العودة إلى طبيعة وزارة الصناعة والتجارة قبل قدومها. هذه الوزارة تحولت لسنوات طويلة من جهاز تنظيمي يضع السياسات إلى مجرد شباك لبيع التصاديق والأختام. كانت رخص الاستيراد والإعفاءات الجمركية تمنح في المكاتب الخلفية وتتحول إلى سلعة تباع وتشترى في السوق الموازي. نشأت على إثرها طبقة كاملة من الوسطاء والسماسرة لا تصنع شيئاً ولا تزرع شيئاً، لكنها تستنزف الدولار وتقتل المصنع الوطني.

 

حين جاءت محاسن علي يعقوب، وهي امرأة جاءت من رحم الاقتصاد الحقيقي، أغلقت هذا الباب الخلفي وأعادت القرار إلى مؤسسات الدولة الرسمية. وهنا بدأ الصراع. فإغلاق باب الفساد يعني قطع رزق شبكات منظمة اعتادت أن تعيش على فوضى الاستيراد.

 

ثم جاءت خطوتها الثانية الأكثر إيلاماً لتلك الشبكات، وهي تفعيل مبدأ الحماية الرشيدة. فالسودان كان يغرق بسلع لها بديل محلي مباشر، أحذية وجلود وصابون ومواد بلاستيكية يمكن أن تنتج في الباقير وبحري والجزيرة وعطبرة. هذا الإغراق لم يكن منافسة شريفة، بل كان إغراقاً مدعوماً من الخارج ومعفياً من الجمارك بعلاقات خاصة، بينما يتحمل المنتج السوداني عبء الكهرباء والضرائب وأجور العمال. فكان طبيعياً أن تتوقف أكثر من نصف مصانعنا.

 

حين قالت الوزيرة لا لاستيراد ما نصنعه، كانت تطبق أبسط قواعد السيادة الاقتصادية التي تطبقها كل الدول التي تحترم نفسها. فإثيوبيا منعت استيراد الأحذية، ورواندا منعت استيراد الملابس المستعملة، ومصر فرضت رسوماً لحماية صناعاتها. لماذا يصبح الأمر جريمة حين تفعله وزيرة سودانية؟

 

إن الحملة ضدها مفهومة الدوافع. فكل حاوية كمالية تمنع من الدخول توفر آلاف الدولارات للبنك المركزي وتعيد ألف وظيفة لمصنع سوداني. وهذا يعني خسارة مباشرة لتاجر شنطة كان يربح في الحاوية الواحدة ما يربحه مصنع كامل في عام. لذلك يصرخون، ويكتبون بنفس المداد، ويصنعون الشائعات والتسريبات المجتزأة، لأن مصالحهم تضررت.

 

إنهم لا يهاجمون محاسن لأنها أخطأت، بل يهاجمونها لأنها أصابت. لا يهاجمونها لأنها امرأة في منصب رفيع، بل لأنها امرأة قوية رفضت أن تكون مجرد واجهة لشبكاتهم. لو كانت وزيرة تمرر التصاديق بصمت لما هاجمها أحد، بل لمدحوها. لكنها اختارت أن تكون وزيرة للصناعة لا وزيرة للاستيراد، فدفعت الثمن.

 

لهذا فإن الدفاع عن محاسن علي يعقوب اليوم ليس دفاعاً عن شخص، بل دفاع عن فكرة أن السودان يمكن أن ينهض بمصانعه. وإن تركها وحدها في مواجهة هذه الحملة يعني أننا اخترنا مرة أخرى أن نكون سوقاً للنفايات بدلاً من أن نكون مصنعاً للأمل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى