الأعمدة

رمضان محجوب… يكتب: ​انواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار.. الحلقة السادسة والعشرون ​مرافئ التيه

رمضان محجوب… يكتب:

​انواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار.. الحلقة السادسة والعشرون

​مرافئ التيه

​■ تتجدد جراحات “مدني” كلما لاح في الأفق طيف نزوح جديد؛ فالحكاية ليست مجرد انتقال من جغرافيا إلى أخرى، بل هي نزع للأرواح عن أجسادها المحبة للأرض. إبان نزوحه الثاني من “الكشامر” إلى “طيبة الشيخ عبد الباقي”، جلس إليّ صديقي الريح “الكشامر”، فكان صوته كأنه صادر من بئر عميقة من الشجن، وهو يروي تفاصيل ذاك الهروب الكبير من زهرة المدائن “مدني” الذي بدأ من حي القلعة؛ ذاك الحي العريق الذي شهد تاريخياً ولادة الحركة الوطنية، وكان أول من مسته نار الاشتباكات وبطش المسلحين في الثامن عشر من ديسمبر الأسود.

​■ النزوح في مفهومه البشري هو بحث عن أمان، لكنه عند الريح كان “تجزئة” للذات؛ فقد هرب بكريماته الثلاث وأمهن من جحيم حي دردق الذي لجأوا إليه ظناً أنه الملاذ، لكن المهاجمين لم يتركوا لهم فرصة لالتقاط الأنفاس، فكانت الوجهة غرباً حيث المجهول الذي صار فجأة هو المبتغى والمنال.

​■ وصلت أسرة الريح إلى “الثورة موفي” والمساء يسدل أستاره الثقيلة على مدينة كانت حتى وقت قريب تضج بالحياة. هناك كان المشهد حزيناً بامتياز؛ آلاف البشر يركضون كأنهم في يوم الحشر، والريح يشد مئزره ويحتضن كريماته وسط ضجيج لا يرحم، حيث اختلطت صرخات الأطفال بنحيب الأمهات وجزع الفتيات وصوت الرصاص العشوائي في المدى البعيد.

​■ انطلقت رحلة الوجع عبر “التراكات” الترابية؛ تلك المسارات التي لم تكن يوماً مهيأة لاستقبال هذا الفيض البشري. رأى الريح مناظر تقطر دماً؛ نساءً يحملن “صرراً” فوق رؤوسهن، ورجالاً يقودون كبار السن في مسارات وعرة، والكل يلهث ويركض في دروب مشروع الجزيرة التي صارت المتاهة الكبرى. هذه الدروب التي كانت يوماً شرايين للذهب الأبيض ومصدراً لعز السودان، تحولت في ليلة وضحاها إلى فخاخ من الغبار والارتباك.

​■ أكثر ما آلم قلب الريح هو منظر المشاة الذين تدمت أقدامهم من طول المسير؛ إذ قطعوا أكثر من ثمانية وعشرين كيلومتراً حتى بلغوا “تفتيش 99”. كانت الأرجل متشققة والأنفاس لاهثة، لكن غريزة البقاء كانت تدفعهم دفعاً نحو النجاة، بينما كانت العربات المتهالكة تئن تحت وطأة الحمولة البشرية التي تجاوزت كل منطق. “تفتيش 99″، هذا الموقع الإداري الذي ارتبط في ذاكرة المزارعين بالإنتاج والري، غدا في ذلك اليوم “برزخاً” يفرز الناجين من العالقين.

​■ يصف الريح “تفتيش 99” بأنه كان الاختبار الأقسى؛ تلك القنطرة التي كانت فسيحة في أيام الرخاء، ضاقت حتى صارت كخرم الإبرة أمام طوفان العابرين. السيارات تتكدس والناس يتزاحمون في غبار كثيف، وكثيرون اضطروا للمبيت في العراء قبل التفتيش، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في انتظار دورهم في عبور جسر الأمل الضيق.

​■ بعد تجاوز “99”، لم تنتهِ المغامرة بل بدأت فصولها الأكثر وعورة، حيث سلكوا طرقاً مائية ومعابر ري كانت كأنها فخاخ منصوبة للغرباء. العربة كانت تترنح فوق الروابي الترابية وابن أخيه سائق عربة النجاة يمسك بقلبه قبل مقوده، يخشى أن تتعطل بهم السبل في الخلاء العريض، حيث لا مغيث إلا الله في تلك الفيافي التي يسكنها الصمت والترقب.

​■ وصلوا إلى منطقة “مهلة”، وكانت بمثابة رئة تنفسوا فيها الصعداء قليلاً، لكنهم اضطروا للتوغل أكثر في الغرب والشمال، بعيداً عن الأسفلت الذي صار مرتعاً للموت. كان الهروب يتطلب حيلة وحنكة في تجاوز المناطق التي بدأ المسلحون يمدون أطرافهم نحوها بخبث. تجاوزوا قرى “ود ربيعة” و”العمارة” و”أم دليبة”؛ تلك القرى التي كانت متراصة كأنها حبات عقد في جيد الجزيرة الخصيب، واستقبلهم أهلها بحفاوة رغم الرعب الجاثم.

​■ في اليوم الثاني، لاحت بيوت “الكشامر” في الأفق؛ كانت الرحلة قد بلغت نحو ثمانية وستين كيلومتراً من التعب الجسدي والانهيار النفسي. هناك في ذاك الريف المتماسك، وجدوا “السترة” والأمان المؤقت، واستقبلهم المجتمع المحلي بقلوب مفتوحة، محاولين رتق جراح نازحين فقدوا كل شيء إلا كرامتهم وذكرياتهم التي تركوها تحت ركام البيوت.

​■ لم تنتهِ مأساة “زهرة المدائن” عند حدود رحلة الريح، بل امتدت لتشمل “المراكب” التقليدية التي صارت هي الجسر البديل للنيل. هناك عند ضفاف النهر الخالد، بيعت الأرواح في مزاد “اللنشات”؛ ووصل سعر العبور حينها إلى أرقام خرافية، واضطر البعض لإلقاء أمتعتهم ومدخرات حياتهم في جوف النيل ليفسحوا مكاناً لرضيع أو شيخ هرم.

​■ أما الذين تأخروا في الخروج، فقد شربوا من كؤوس الإذلال ما لا يصفه مداد؛ أقام المسلحون ارتكازات متجهمة عند المخارج، وكان التفتيش سياطاً تلهب الظهر قبل الروح. يُجبر الشباب على الزحف في الرمضاء، وتُكال لهم الشتائم في مشهد جسّد قمة الانحطاط الأخلاقي لمن ظنوا أن البندقية تمنحهم الحق في قهر الرجال وكسر كبرياء النفوس الأبية.

​■ ولعل الوجع الأكبر والذنب الذي لا يغتفر كان من نصيب أطفال دار الرعاية (المايقوما)؛ أولئك الذين نزحوا من الخرطوم سابقاً طلباً للأمان في مدني. يوثق التاريخ أن أكثر من 250 طفلاً، بينهم رضع لا تتجاوز أعمارهم شهوراً، وجدوا أنفسهم وسط الفوضى والدخان مرة أخرى. حملتهم المتطوعات وهربن بهم عبر المزارع والترع في ظروف لا تطاق، يختبئون بين المحاصيل خوفاً من عيون القتلة، في رحلة شهدت فقدان بعض الأرواح الضعيفة بسبب الانقطاع عن الرعاية الطبية والغذاء الضروري.

​■ قصص المتطوعات اللائي فدين الأطفال بأرواحهن ستبقى أوسمة في صدر التاريخ؛ كنّ يتسللن في الظلمة، يحملن الرضع الذين لم يذوقوا طعم الحليب لساعات، والدموع تغسل وجوههن وهنّ يشاهدن براءة تُذبح على نصال الغدر في زمنٍ انعدمت فيه الرحمة وصار فيه القوي يأكل الضعيف.

​■ ستبقى رحلة الريح وأسرته، ومعاناة أطفال الرعاية، وإذلال الارتكازات، شهادات تُكتب بمداد من دم، لتبقى شاهدة على خريفٍ غدر بمدني وأهلها، وكيف تحولت رحلة الـ 68 كيلومتراً إلى مسيرة بؤسٍ طويل، يختصر حكاية وطنٍ يُطعن في خاصرته، وشعبٍ يبحث عن “السترة” في زمنٍ ضاعت فيه المروءة خلف فوهات البنادق الغادرة.

​نواصل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى