
روشتة في بريد الأسرة اختصاصي الصحة/ اسماء قسم الله قسم السيد نبض بالأصابع ورعاية للروح
روشتة في بريد الأسرة
اختصاصي الصحة/ اسماء قسم الله قسم السيد
نبض بالأصابع ورعاية للروح
اليوم العالمي للغة الإشارة ٢٣ سبتمبر،، لغة الإشارة كركيزة للصحة العامة والدعم النفسي.
تُعدّ اللغة شريان التواصل الإنساني والنافذة الأولى التي يُطلّ منها الفرد على العالم وعندما تتوقف الألسن عن النطق، تتحدث الأيدي بلغةٍ لا تقل اهمية عن النطق وفي اليوم العالمي للغة الإشارة، لا نحتفي فقط بأداة للتواصل اليومي، بل بنظام حيوي متكامل من الصحة الجسدية والنفسية، إلى الاندماج الاجتماعي والتمكين المجتمعي.
إن التواصل كحق إنساني وشرط للصحة العامة
تُعرف المنظمة العالمية للصحة “الصحة العامة” بأنها حالة من اكتمال السلامة الجسدية والنفسية والاجتماعية، وليست مجرد غياب المرض. من هذا المنطلق، تُشكّل لغة الإشارة البنية التحتية الأساسية لتحقيق الصحة العامة لمجتمع الصم وضعاف السمعإن غياب وسائل التواصل الفعالة في المؤسسات الصحية يُعيق وصول الأفراد إلى الرعاية الطبية الأساسية، ويؤدي إلى التشخيص الخاطئ أو الامتناع عن طلب العلاج فعندما تتوافر لغة الإشارة في العيادات والمستشفيات، يستعيد الفرد استقلاليته وقدرته على التعبير عن آلامه بدقة، مما يجعل لغة الإشارة شرطاً أولياً لعدالة الرعاية الصحية.
الأثر النفسي للتواصل والحد من عزلة “العالم الصامت”
تُعد العزلة الاجتماعية من أشد المخاطر التي تهدد السلامة النفسية للانسان، إذ يرتبط الشعور بالانفصال عن المحيط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب. بالنسبة للصم، لا تنتج العزلة عن الصمم بحد ذاته، بل عن جدار الصمت الذي يبنيه عدم فهم المجتمع للغتهم.
تُسهم لغة الإشارة في تفكيك هذا الجدار؛ فهي تمنح الفرد الوسيلة لبناء العلاقات الإنسانية الدافئة، والتعبير عن المشاعر المعقدة، والتفريغ الانفعالي. عندما يجد الإنسان من يفهمه ويتفاعل معه بلغته الأم، يقل الشعور بالهامشية والاضطهاد النفسي، وتتحول تجربة الحياة من عزلة مفروضة إلى مشاركة تفيض بالأمل فتقل العصبية البيولوجية – بتحفيز الدماغ والتعبير الجسدي وتتميز لغة الإشارة بأنها لغة بصرية-فضائية تعتمد على معالجة ذهنية مختلفة عن اللغات المنطوقة. تُظهر الدراسات في علم الأعصاب أن ممارسة لغة الإشارة تنشط مراكز عصبية متعددة في الدماغ، مما يعزز المرونة العصبية والوظائف التنفيذية كالإدراك والذاكرة البصرية، إضافة إلى ذلك، فإن استخدام حركات اليدين، وتعبيرات الوجه، ولغة الجسد يُتيح للجسد تفريغ الشحنات الانفعالية والتوتر بشكل فسيولوجي ملموس فهي حركة تجسد المشاعر وتحولها من أفكار محبوسة في الذهن إلى حركات مرئية، مما يعزز التناغم بين العقل والجسد ويخفف من حدة الضغط النفسي بالتالي يحدث التمكين الاجتماعي وبناء الهوية والكرامة حيث تُشكل لغة الإشارة النواة الصلبة لهوية “ثقافة الصم”. فهي ليست مجرد بديل للكلام، بل هي إرث ثقافي ورمز للكرامة والانتماء. إن الامتناع عن الاعتراف بلغة الإشارة أو تهميشها يُشعِر الفرد بالنقص وعدم الأمان الوظيفي والاجتماعي ففي المقابل، عندما يُعترف بهذه اللغة رسمياً وتُتاح في المدارس والجامعات وأماكن العمل، يتحول الفرد من موقع “المحتاج للدعم” إلى موقع “الشريك الفاعل”. هذا التحول في الدور الاجتماعي ينعكس بشكل مباشر على تقدير الذات ويمنح الفرد شعوراً بالقدرة على الإنجاز والاستقلالية المالية والاجتماعية، و من أكبر التحديات التي تواجه الصم هي صعوبة الوصول إلى خدمات الصحة النفسية والتأهيل النفسي. فجلسات العلاج النفسي تعتمد كلياً على التواصل الدقيق والعميق، ومجرد وجود مترجم بين المريض والمعالج قد يقلل من خصوصية الجلسة أو يُفقدها بعض المضامين العاطفية الدقيقة.
لذا، يُعد تأهيل أخصائيين نفسيين يتقنون لغة الإشارة، أو تدريب المترجمين على الترجيع النفسي المتخصص، خطوة حاسمة في بناء شبكة أمان نفسي. إن القدرة على البوح بالصدمات والتجارب المؤلمة بلغة الإشارة داخل بيئة علاجية آمنة تُسرّع من عملية التعافي النفسي وتصون كرامة المريض.
لا تقع مسؤولية تعلم لغة الإشارة على الصم وحدهم، بل هي مسؤولية مجتمعية أخلاقية. إن تعلم أفراد المجتمع للغة الإشارة—ولو بأساسياتها—يُرسل رسالة قبول وقوة.
عندما ينشأ مجتمع يرى في لغة الإشارة ثراءً وليس عبئاً، تتسع دائرة التعاطف الإنساني وينخفض التمييز. فيصبح الدمج الشامل في المؤسسات التعليمية والترفيهية والخدمية يجعل من الصحة العامة مفهوماً واقعياً يشمل الجميع، ويُحول اليوم العالمي للغة الإشارة من مجرد مناسبة سنوية إلى ممارسة يومية تضمن حق الجميع في حياة صحية وكريمة.
إن حركة الأيدي في لغة الإشارة عبارة عن رموز تتطاير في الهواء، فتشكل نبض يتصل بالروح مباشرة، ويصنع فارقاً حقيقياً بين العزلة والاندماج، وبين المعاناة والتعافي. وفي الاحتفاء باليوم العالمي للغة الإشارة، نتذكر دائماً أن حماية الصحة العامة والدعم النفسي يبدأان من إتاحة الفرصة لكل إنسان ليعبّر، ويُسمع، ويُفهم.
ودمتم ذخرا للوطن