
عنقرة ورشان أوشي.. بين وجع الفقد وفرحة النجاة
عنقرة ورشان أوشي.. بين وجع الفقد وفرحة النجاة
كتب: محمد عثمان الرضي
✦ أحياناً تختصر زيارة واحدة حكاية الحياة كلها؛ دمعة على فقد، وابتسامة على نجاة، ويد تمتد للمواساة، وأخرى تصافح العافية. وفي يوم الإثنين الرابع عشر من سبتمبر 2026، وجدتني برفقة الفريق الركن ياسر محمد عثمان بخيت، رئيس هيئة الاستخبارات العسكرية السابق والمدير العام للمعابر والمنافذ الحدودية، نعبر المسافة بين حزنٍ ثقيل وفرحٍ مستحق.
✦ كانت البداية من منزل الزميلة الصحفية القديرة رشان أوشي، حيث قصدنا أداء واجب العزاء في وفاة جدتها، المرأة التي حملت مسؤولية تربيتها بعد رحيل والدتها، فكانت لها أماً حين غابت الأم، وحاضنة حين احتاجت الطفولة إلى صدرٍ يحميها. رحم الله الأم والجدة، وجعل ما قدمتاه لرشان من رعاية وعطاء في ميزان حسناتهما.
✦ وليس سهلاً أن تستقبل رشان عزاء جدتها، وهي التي لم تبرأ بعد من ذاكرة فقد والدتها؛ فالأحزان حين تأتي متتابعة لا تطرق الباب، وإنما تقتحمه. غير أن رشان تعرف، كما عرفها زملاؤها وقراؤها، كيف تواجه الحياة بصلابة لا تلغي الحزن، وإنما تمنعه من أن يتحول إلى هزيمة.
✦ ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في رشان أنها لا تستسلم طويلاً للانكسار. فقد خرجت قبل وقت قريب من تجربة السجن بعد قضاء 43 يوماً بسجن النساء ببورتسودان، وها هي اليوم تواجه فقداً جديداً، لكنها تستعيد توازنها وتمضي. وكأنها اختارت أن يكون الصبر طريقتها في مواجهة ما لا تستطيع تغييره.
✦ ومن منزل رشان أوشي، توجهنا إلى منزل الصحفي القدير الأستاذ جمال عزالدين النور عنقرة، للاطمئنان عليه بعد عودته إلى منزله، عقب رحلة مرضية قاسية أمضى خلالها أياماً بمستشفى أحمد قاسم، من بينها فترة قضاها في غرفة العناية المكثفة. وقد منّ الله عليه بالشفاء والعافية، فوجدناه بين أهله ومحبيه، يستعيد نشاطه ويواصل حديثه الجميل عن أم درمان وتاريخها ورموزها.
✦ كان اللقاء مع عنقرة يحمل فرحة مختلفة؛ فرحة الاطمئنان على رجلٍ عاد إلى بيته بعد أن تجاوز محنة صحية، واستعاد عافيته. فزيارة المريض في المستشفى واجب، أما زيارته بعد عودته إلى منزله معافى، فهي امتنان للعافية واحتفاء بالنجاة.
✦ وفي مجلس عنقرة وقعت مفارقة تستحق التوقف؛ فقد كان ذلك اللقاء الأول بينه وبين الفريق الركن ياسر محمد عثمان بخيت، رغم أن ياسر ظل يتابع كتاباته ويقرأ إسهاماته الإعلامية، ويحفظ بعض عباراته عن ظهر قلب. كم هو غريب وجميل أن تجمع الصحافة بين رجلين قبل أن تجمعهما المصافحة.
✦ وما إن بدأ الأستاذ جمال حديثه حتى حضرت أم درمان بكل ثقلها التاريخي والوجداني؛ تحدث عن العاصمة الوطنية والتاريخية، عن أحيائها ورموزها وطرائفها، وعن مواقف تختزنها الذاكرة الشعبي