الأعمدةبريق أمل

«عودة بقال.. اختبار صعب لذاكرة الحرب وعدالة ما بعد المعارك

بريق أمل – هنادي عوض بشير

تُحكى طرفة قديمة عن أحد الأفراد الذين التحقوا بجهاز الاستخبارات، وكُلف بمراقبة أحد معتادي الإجرام ورفع تقارير دقيقة عن تحركاته. وما إن بدأ مهمته حتى تحوّلت العملية إلى عرض كوميدي من شدة حماسه. فكلما تحرك المجرم، كان يلتقط جهاز اللاسلكي ويبلغ الرئاسة بأدق التفاصيل، قائلاً:

– «ألو.. هل تسمعوني؟»

فيأتيه الرد: «نعم».

– «المجرم طلع من البيت واتجه لآخر محطة»

– «واضح»

– «المجرم طلب قهوة.. وأنا طلبت شاي لأغراض التمويه»

… وهكذا استمر بنشاط مفرط حتى ركب المجرم مواصلات “الشهداء” بينما “رجل الاستخبارات” ركب مواصلات “الشعبي” هو الآخر “لأغراض التمويه”!

هذه الطرفة الساخرة أعادت إلى الأذهان – وبشكل غير مباشر – قصة عودة المدعو إبراهيم بقال، الإعلامي الذي انضم إلى مليشيات الدعم السريع، والتي مارست أبشع أنواع الانتهاكات بحق المواطنين والدولة السودانية منذ اندلاع الحرب.

فـ”بقال” لم يكن جنديًا في الميدان، بل كان يمارس دور “الناطق الإعلامي الحماسي” لتلك المليشيات، يرافقها بالكاميرا لا بالبندقية، يوثق الدمار والخراب ويكيل السباب لقادة الدولة، مدعيًا أنه لن يغادر الخرطوم. لكن حين اشتد القتال وأدار الجيش السوداني المعارك باقتدار داخل المدن، فرّ الرجل عبر منطقة الصالحة جنوب أمدرمان، ومنها إلى تشاد.

اللافت أن المدينة ومجالسها الافتراضية ضجّت مؤخرًا بخبر إصدار عفو عنه، تمهيدًا لعودته إلى الخرطوم. وهنا تنفتح أبواب التساؤلات على مصراعيها:

أولًا:

هل كان بقال رجل استخبارات حقيقي للجيش قبل الحرب؟

أم أن الحماس الإعلامي حمله كما حمل صاحب الطرفة، فوجد نفسه في صفوف مليشيا، يصوّر وينقل دون وعي بعواقب ما يفعل؟

ثانيًا:

ما هو الأساس القانوني والسياسي للعفو عنه؟

فالعفو – في الأعراف السياسية – يصدر في حق من حمل السلاح ثم جنح للسلم، كما قال تعالى:

> «وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا».

بينما بقال ترك القتال من البداية، ولم يكن في الميدان، بل اكتفى بتوثيق الخراب ونشر دعايات المليشيات.

ثالثًا:

هل يمكن أن يعفو الشعب؟

كيف يمكن لأمهات ترمّلن، وأطفال تيتموا، ومواطنين شُرّدوا بسبب أفعال تلك المليشيات، أن يتقبلوا بسهولة عودة من كان صوتًا داعمًا لها؟

رابعًا

أين توضيح الدولة؟

أليس من حق المواطنين أن يخرج مسؤول رسمي ليشرح دوافع هذا العفو، احترامًا لعقولهم التي أنهكتها الحرب والخذلان؟

قصة بقال ليست مجرد حالة فردية، بل اختبار حقيقي لمصداقية الخطاب الرسمي، ولقدرة المجتمع على التعامل مع ملفات شائكة بين العدالة والعفو، بين الذاكرة والواقعية السياسية.

فهل سيكون بقال “ذلك المراسل الميداني” الذي عاد ليتوب؟ أم أنه “رجل التمويه” الذي ركِب المواصلات الخطأ منذ البداية؟

 

 

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى