
عوض أحمدان .. يكتب الفنان الراحل عمر الشاعر
تطوافٌ في عدد من المشاغل والمشاوير، استغرق اغلب ساعات نهار اليوم، عدت بعده، ابتغي شيئا َ من الراحه للجسد المكدود… فتحت الهاتف، ورغم ضعف شبكة الإنترنت هنا، انهمر عددٌ من الرسائل المختلفه، لفت إنتباهي رسالة الدكتورة جميلة الجميعابي، تنعي اليّ فيها، الموسيقار عمر الشاعر، الذي آثر اللحاق بركب المبدعين، بعد عطاء واضح، ودور ملموس قدم ما قدم من الألحان التي جمعته بعدد من المطربين، من الرواد والمحدثين… تحولت الذاكرة مباشرة، لذلك الحي العريق(العباسية)، التي كانت مهويً لزمرة من المبدعين في شتي المجالات، ابراهيم وسعدية الصلحي، محمدية، الفلاتية، بادي محمد الطيب، زيدان ابراهيم، الفاتح كسلاوي، السر محمد عوض، عبد الدافع عثمان، التجاني حاج موسي، وغيرهم….كان عمر الشاعر، مبدعاَ في اكثر من مجال،ضابطاَ، كتب الشعر، وغني، ثم برزت مواهبه في مجال الألحان، من خلال تعامله مع زيدان ابراهيم، وعبد العزيز المبارك، وفتحي حسين، وغيرهم،، اتسمت علاقته بالوسط الفني، بالحميمية، وصفاء الروح، كان صديقاً للجميع…قبل رحيله بشهور، كان زواج كريمة الشاعر مختار دفع الله، بإحدى الصالات في أمدرمان، كان عمر الشاعر كعادته من الحاضرين، أتخذ مجلسه علي إحدى الطاولات بوسط الصالة، ذهبت اليه محيياً، في رفقة والي الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزه، الذي كان من ضمن المدعوين، صافحه الوالي بحرارة، وقال له… (ياعمر دي تحية أوليه، نحن جاينك في البيت) وبالفعل طلب الوالي، وضع زيارة الموسيقار عمر الشاعر، ضمن أولويات زياراته التي دأب عليها، لتفقد أحوال المبدعين، من الفنانين والشعراء والأدباء والإعلاميين ، وغيرهم..قبل ثلاثة أسابيع، من دمار الخرطوم، هاتفني الأخ، هاشم محمد محمد صالح، أحد أصدقاء الراحل المقربين، يحثني لزيارة الموسيقار الكبير، في منزله بالمورده، بعد ان عاد اليه، من جديد، بعد غياب قسري أملته ظروف انهيار المنزل بفعل السيول، وقبل ذلك، أشار الاخ هاشم، ضرورة تضافر الجهود لتكريم الراحل، تكريما يوازي دوره في ساحات العمل والفنون، وقد اتفقنا علي ذلك، وفق رؤية واضحة رداَ للجميل، في موعد الزيارة المضروب، كنا في الموردة نجالس الشاعر، ونستأنس بالوجود معه، كانت فرحته بوجودنا معه كبيرة، عبرت عنها أكواب العصير، وقوارير المياة، واطباق المخبوزات والحلويات، و(ترامس) شاي المغرب، وغيرها من ألوان الكرم التي طوّق بها أعناقنا في (الليلة ديك)… تحدثنا عن فكرة التكريم،وزيارة والي الخرطوم، الأستاذ أحمد عثمان حمزه المرتقبة، ومشاريعه الفنية القادمه، والحانه الجديدة، التي كان ينتوي تقديمها الي عدد من الأصوات، وكانت خاتمة الزيارة، طواف تعريفي علي ارجاء المنزل، الذي آوي الأسرة، رغم افتقاره الي كثير من الأساسيات، مثل السراميك، والبياض وأعمال النِقاشة، وتسوية أرضية الحوش، ودعناه بوعد تكرار الزيارة، وتنفيذ برنامج الإتفاق، لم تمض علي ذلك، سوي أيام قليله، حتي أطلت بوادر الحرب، بوجهها القبيح، وتفاقمت المعاناة، وتفرقت قوافل، سكان الخرطوم، في فجاج الأرض الواسعة، بحثاَ عن الأمان، بعد ان فعلت المليشيا فعِلتها،من القتل والسحل والنهب، وانتهاك العروض… انقطعت سبل التواصل بيننا وبين الراحل، كان الأمل وكان الرجاء، ان ينقشع ليل (الخرتوم) الحلوك، وتشرق شمسها من جديد، لنسعد بلقاء عمر الشاعر، ونكمل معه بقية المشوار… اليوم، قال الله كلمته، واسترد اليه وديعته، وقضي أمره، رحل عمر الشاعر، عاشق أمدرمان، التي لن تستطيع ان تشيعه وتتبع جنازته، بما يمليه عليها، تاريخه واسمه وفنه،كموسيقار وضابط عظيم… اللهم كن له عوناً وسنداً ونصيراَ، واجعله فرحاً يوم لقاك، كل العزاء لزملائه وعارفي فضله، وأهله في الموردة والعباسية، وكسلا، ونوري، بلد (حميد) التي يربطه بها رحمٌ قوي…انا لله وانا اليه راجعون..