
مستقبل السودان.. من هيمنة نفوذ المسؤول في زمن البطش والاستبداد إلى سيادة العدالة والقانون خالد الإعيسر
مستقبل السودان.. من هيمنة نفوذ المسؤول في زمن البطش والاستبداد إلى سيادة العدالة والقانون
خالد الإعيسر
عانى السودان في فترات سابقة من ممارسات أُبعدت فيها العدالة تماماً عن مسارها الصحيح، فكان بعض المسؤولين يتصرفون بمنطق السلطة والنفوذ بدلاً من الاحتكام إلى القانون “بروح حضارية”، فتمت الاعتقالات خارج إطار القضاء، وانتزعت حقوق ومنازل وشركات وممتلكات مواطنين من دون وجه حق وبعيداً أحكام قضائية، وكأن سلطة المنصب والقمع والملثمين فوق سلطة القانون.
وكنّا يومها من أشد الرافضين لتلك الممارسات، ودخلنا بسبب مواقفنا النيابات وساحات المحاكم. ولم تكن معارضتنا لتلك الممارسات لأسباب شخصية أو مواقف سياسية، وإنما دفاعاً عن مبدأ راسخ مفاده أن الدولة لا تُبنى إلا بسيادة حكم القانون، وأن كرامة المواطن السوداني وحقوقه لا يجوز أن تكون رهينة لمزاج شخصي لمسؤول، أو قوة منصب، أو أيديولوجيا حزبية.
أما اليوم، فما زال إيماننا بالمبدأ ذاته راسخاً وبقوة؛ وهو أن بناء دولة القانون والعدالة يتطلب أن يكون الدستور والقضاء (فوق الجميع)، فلا مواطن فوق القانون، ولا مسؤول فوق المساءلة. فالمسؤول، مهما كان موقعه، هو مواطن تحكمه القوانين ذاتها، وله الحقوق والواجبات نفسها التي تحكم سائر المواطنين بمختلف مكوناتهم ومناطقهم.
فإذا تعرض المسؤول لأي ظلم أو اعتداء على حقوقه، فطريقه هو القضاء وحده، لا النفوذ ولا السلطة ولا استخدام الموقع العام. وللقضاء المستقل أن يقول كلمته بحرية كاملة وبعيداً عن أي تأثير أو إملاء. فإن ثبتت مظلوميته، أُعيدت إليه حقوقه المعنوية أو المادية وفقاً للقانون، وإن ثبت خلاف ذلك، فعليه أن يقبل الحكم ويحترم قرار القضاء ويمتثل له بكل أدب واحترام، كما يفعل كل مواطن في دولة تحترم العدالة والمساواة وسيادة القانون.
ويقيني الراسخ أن قوة الدولة لا تقاس بقدرة المسؤول على فرض إرادته وسطوته أو استغلال منصبه ونفوذه، وإنما بقدرتها على إخضاع الجميع – حكاماً ومحكومين – لحكم القانون. فحين تسود العدالة بين الجميع، لا يخشى المواطن من السلطة، ولا تخشى السلطة من عدالة القانون.
الخميس 6 أغسطس 2026م