نقوش متنوعة

نقوش متنوعة

نقوش متنوعة
حين تصبح “ما شغلي” أخطر من المشكلة نفسها
د. كوثر باباي
ليست كل أزمات المجتمع تُقاس بحجم المشكلة، فبعضها يُقاس بعدد الذين مروا بجانبها وقالوا ببرود: “ما شغلي”. في بعض مجتمعاتنا اعتدنا أن ننظر إلى المشكلات الكبيرة بعين ناقدة متأملة، ثم نبدأ فوراً في توزيع التهم. نلوم المدرسة على ضعف التعليم، والمستشفى على تراجع الخدمة، والشارع على اتساخه، والمؤسسة على قصورها، والأسرة على سوء التربية، ثم نتناسى عمداً السؤال الأصعب والأصدق: وأين دوري أنا من كل هذا؟
المجتمع لا تُنهضه المؤسسات وحدها، بل تنهضه أيضاً ثقافة المواطن في أدق تفاصيله اليومية. فحين يحافظ الإنسان على الممتلكات العامة، ويمنع طفله من تخريبها، ويضع النفايات في مكانها المخصص، ويحترم الطابور، ويؤدي عمله بإتقان، ويحسن معاملة جاره، ويمد يده إلى محتاج دون أن يذله، فهو لا يقوم بتصرفات صغيرة كما يتوهم، وإنما يشارك بلبنة حقيقية في بناء مجتمع يُبنى من التفاصيل.
المشكلة أننا كثيراً ما نطالب بخدمات ممتازة بينما يحمل بعضنا عقلية لا تحافظ على هذه الخدمة أصلاً. نطالب بالنظام ونحن أول من يبحث عن الاستثناء، ونطالب بالنظافة بينما نلقي بمخلفاتنا في الشارع بلا مبالاة، ونغلق مجاري مؤسساتنا العامة ببقايا الأكل والفضلات، ونطالب بتعليم أفضل بينما نبخل على أبنائنا بصفحة واحدة نقرأها معهم. فالخدمة العامة ليست مباني وأجهزة وموظفين فقط، إنها في جوهرها سلوك جماعي متفق عليه.
ولهذا فإن واحدة من أخطر المعارك التي تخوضها مجتمعاتنا ليست فقط مع الفقر أو مع ضعف الخدمات، وإنما مع اللامبالاة. تلك الحالة الصامتة التي تجعل الإنسان يرى الخطأ فلا يتدخل، ويرى الضرر فلا يتحرك، ويقتنع في قرار نفسه أن إصلاح المجتمع مهمة ملقاة على عاتق الآخرين وحدهم.
نحن بحاجة إلى برامج مجتمعية حقيقية تبدأ من القاعدة، من الأحياء والقرى والمدارس والجامعات. نحتاج إلى حي نظيف، ومدرسة شاملة، ورعاية لكبار السن، ودعم لأصحاب الإعاقة، وتشجير للأحياء، وحماية للمرافق العامة، ومبادرات حقيقية للشباب والنساء والأطفال……الخ
ليست الفكرة هنا أن يتحول المواطن إلى موظف يؤدي مهاماً إضافية، وإنما أن يفهم أن المواطنة ليست مجرد بطاقة يحملها في جيبه. المواطنة سلوك يظهر في أبهى صوره عندما لا يراقبك أحد.
والسؤال الذي يجب أن نضعه أمام أنفسنا كل صباح ليس “ماذا قدمت لنا المؤسسات؟” فقط، بل أيضاً وبقوة: “ماذا قدمنا نحن للمكان الذي نعيش فيه؟” فالمجتمع الذي نحلم به لن يبدأ يوماً ما من مكتب بعيد أو قرار فوقي، بل قد يبدأ من يد ترفع ورقة من الشارع، أو من شاب يعلم طفلاً، أو من طبيب يحسن معاملة مريض، أو من معلم يزرع قيمة في نفس تلميذ، أو من جار يطرق باب جاره ليسأل عن حاله.
المجتمعات لا تُبنى بالخطابات الكبيرة وحدها، إنما تُبنى حين يصبح كل فرد جزءاً من الحل، لا متفرجاً على المشكلة من بعيد. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لـ “نقوش متنوعة”: أن نعيد اكتشاف بعض قيمة المجتمع من خلال الإنسان نفسه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى