الأعمدة

افكار  لميس أدهم  الحرس الرئاسي .. دماء صنعت التاريخ

افكار

لميس أدهم

الحرس الرئاسي .. دماء صنعت التاريخ

في هذا المشهد خصوصا لا تحتاج الصورة إلى كثير كلام؛ يكفي أن تتأملها قليلاً لتسمع وراءها أصواتاً غابت، وترى وجوهاً رحلت، وتستعيد أياماً بدت، في لحظة ما، وكأنها لن تنتهي.

 

وأنا أتابع مشهد دخول القائد العام للقوات المسلحة إلى القصر الجمهوري، عادت بي الذاكرة إلى صوت الشهيد العقيد أحمد النور الإمام، قائد الحرس الرئاسي، في الساعات الأولى للحرب، والرصاص يملأ المكان، وهو يخاطب جنوده بكلمات بقيت في الذاكرة السودانية:

 

“هذه آخر أوامر مني لكم، وآخر معركة… يجب علينا إخراج القائد العام من منزله بأمان. سقوط القائد العام يعني سقوط رأس الدولة.”

 

يومها لم يكن أحد يعرف إلى أين تمضي البلاد، ولا كم من الدم ستدفع، ولا كم من الرجال سيغيبون قبل أن نرى مثل هذا المشهد.

 

ولهذا، لم يكن دخول الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القصر الجمهوري مجرد انتقال من مكان إلى آخر.

 

كان للمشهد معنى أكبر.

 

دخل القائد العام بخطوات واثقة، في مشهد تهادى فيه حرس الشرف بهيبة وانضباط، وخلفه أحد ضباطه بثباتٍ وحضور يليقان بالمقام؛ مشهد بدت فيه الخطوات محسوبة، والوجوه تعرف جلال اللحظة، والعلم السوداني مرفوع، والسلام الجمهوري يُعزف من جديد في المكان الذي غاب عنه طويلاً.

 

لم يكن الفخر هنا متعلقاً بشخص البرهان بقدر ما كان متعلقاً بصورة الدولة نفسها؛ أن ترى رمز سيادتها يعود إلى قصرها، وأن يعود النظام والمراسم والانضباط إلى مكان مرت عليه أيام ثقيلة.

 

وكان اختيار “ما في من زيك يا رسول الله” في هذا التوقيت، تزامناً مع ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، لمسة بالغة الجمال. لحن سوداني يعرف طريقه إلى القلب، جاء وسط مشهد رسمي مهيب، فأضفى عليه شيئاً من روح السودان التي نعرفها ونحبها.

 

كل شيء بدا مرتباً كما عهدنا القوات المسلحة السودانية: الحرس، المراسم، وقع الخطوات، أداء التحية، وصور رؤساء السودان السابقين في الداخل، كأن المكان يستعيد ذاكرته قطعةً قطعة.

 

لكن أكثر التفاصيل تأثيراً كانت تلك التي ربما تمر عليها العين سريعاً…

لوحة شهداء ود النورة.

 

أن تراها حاضرة في المكان نفسه الذي وقف فيه السفراء الجدد لتقديم أوراق اعتمادهم، كان مشهداً يحمل احتراماً عميقاً للذاكرة. ففي لحظة تستقبل فيها الدولة ممثلي دول العالم، كانت أسماء الشهداء حاضرة أيضاً؛ كأن الوطن، وهو يفتح أبوابه من جديد، لم يرد أن يترك الذين غابوا.

 

بدت التفاصيل كلها وكأنها اختيرت بعناية.

 

وربما لهذا كان المشهد صافياً إلى هذا الحد؛ لأنه جمع في دقائق قليلة بين هيبة الدولة وذاكرة الحرب، بين من عادوا إلى القصر ومن رحلوا وهم يدافعون عن الوطن، وبين صوت السلام الجمهوري وأصوات رجال لا تزال كلماتهم حاضرة رغم غيابهم.

 

واليوم، ونحن نرى القائد العام يقف في القصر الجمهوري ويؤدي أمامه الحرس التحية من جديد، يصعب ألا تعود الذاكرة إلى أولئك الذين لم يصلوا إلى هذه اللحظة، لكن دماءهم كانت جزءاً من الطريق إليها.

 

إلى الشهيد العقيد أحمد النور الإمام ورفاقه، وإلى شهداء القوات المسلحة وكل من مضى وهو يحمل السودان في قلبه:

 

الرحمة والمغفرة والقبول.

 

وإلى أبطال القوات المسلحة السودانية، شكراً لكل يدٍ أعادت ترتيب المشهد، ولكل قدمٍ ثبتت حين كان الثبات صعباً.

 

أما القصر الجمهوري، فقد بدا في ذلك اليوم مختلفاً…

 

لا لأن أبوابه فُتحت من جديد فحسب،

بل لأن السلام عاد يُعزف فيه من جديد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى