
الحزب الانتهازي السوداني
ألسنة وأقلام
بابكر إسماعيل
بلدنا السودان هو قصعة كبيرة تداعت لها الأمم منذ عهد الخديوي محمد علي باشا قبل مائتي عام أو يزيد.. ثمّ بعد ستين عاماً انتفض السودانيون على جيش الخديوي في ثورة قادها جلّابيٌ من بلاد الدناقلة من جزيرة لبب ..ولكن اختطف ثورته جنجويد القرن التاسع عشر بقيادة ود تورشين التعايشي عقب الوفاة المفاجئة لمحمد أحمد فحل وهو في منتصف الأربعين من عمره .. مثلما اختطف محمد حمدان دقلو الرزيقاتي ثورة الشباب في العام ٢٠١٩ .. وعاث دقلو وجنجويده في السودان فساداً كما عاث من قبل أسلافهم الجهدية المجرمون ..
عادت مصر الخديوية لتحتلّ السودان يسندها جيش إنجليزي بقيادة لورد كتشنر .. بعد أن ذبحوا التعايشي الذي فرش فراءً على الأرض مستسلماً لمصيره المحتوم وأراح الله السودانيين من بطشه وعشيرته المجرمة
رفع كتشنر في الثامن من سبتمبر ١٨٩٨ العلمين البريطاني والمصري على قصر الحاكم العام واتفقت الحكومتان في يوم ١٩ /١ /١٨٩٩ على أن يحكم السودان حاكم عام يعينه الإنجليز ويؤيده خديوي مصر ..
حكم كتشنر السودان من سبتمبر ١٨٩٨ وحتى ديسمبر ١٨٩٩ وفي هذه الفترة جدّد بناء سراي غردون (قصر الحاكم العام) وأسّس مدرسة غردون (جامعة الخرطوم لاحقاً).
وفي ٢٠ ديسمبر ١٨٩٩ استلم حكم السودان مدير استخبارات كتشنر الماسوني اللواء سير رجينلد ونجيت باشا.. واستمر حكمه حتي ١٩١٦ ليخلفه سير لي إستاك.
ونجيت باشا هو الذي وضع قواعد الدولة السودانية الحديثة وهو الذي ربط السودان بمصالح بريطانيا وبالماسونية العالمية.
أسس ونجيت في ستة عشر عاماً مشروع الجزيرة وخزّان سنّار وسكك حديد السودان
وهو الذي قرّب إليه السيدين وجعلهما في خدمته وخدمة الإمبراطورية البريطانية مما جعل ابن المهدي يهدي سيف أبيه المجاهد لملك بريطانيا الكافر في وجود ونجيت باشا (بعد عودته لبريطانيا) في يوليو ١٩١٩ .. ويعني إهداء السيف قمة ولاء السيد عبد الرحمن وإخلاصه للتاج البريطاني وأنّ سيوف المجاهدين لن ترتفع مرة ثانية ضد مصالح الإمبراطورية الكافرة وإيذاناً ببداية العهد الانتهازي المجيد فردّ له جورج الخامس سيف أبيه وطلب منه أن يستخدمه في خدمة الملك
وقسم السيدان ولاءهما قسمة بالعدل بين الدولتين المحتلتين .. فصار ابن المهدي موالياً للجنيه الإسترليني وابن الضابط المصري موالياً للخديوي ورياله المجيدي .. انتهازية في أبهى صورها ..
أدّى كلا السيدين قسم الولاء للملك البريطاني جورج الخامس – وكان ذلك إبّان ثورة سعد زغلول ضدّ خديوي مصر وملك بريطانيا – منح الملك السيّد عبد الرحمن نيشان الملكة فكتوريا ولقب OBE وأغدقوا عليه بالمال وأنشأ دائرة المهدي واغتني لحد التخمة ..
كما مُنح السيد على الميرغني رئيس الوفد نيشان الملكة فكتوريا ولقب سير ..
وكما هو معلوم فإنّ تقاليد منح الألقاب الملكية في بريطانيا هي أن يسجد المكرّم على ركبتيه أمام الملك محنياً عنقه للأسفل فيربت عليها الملك بسيفه ثلاث مرّات إيذاناً بخضوعه للملك واستعداده لتقديم رقبته في خدمة الملك.
وسيطرت أسرتا عبد الرحمن المهدي (الحائز على لقب رفيق من الإمبراطورية البريطانية) والميرغني (الحائز على لقب سير من ملك بريطانيا) على الفضاء السياسي السوداني وجُيّرت موارد السودان ومصالحه خدمة لمصر وبريطانيا.
أسّس السيدان حزبين كبيرين ليُفرغا مؤتمر الخريجين من محتواه ولامتصاص حماس الشباب السوداني المستنير خدمة للاستعمار ..
استوعب الحزبان الشباب الخريجين التوّاقين للانعتاق من ربقة الاستعمار وزينا لهما التنافس على الجاه والسلطة والحكم.
ثمّ تأسست أحزاب آيدولوجية لاحقاً ..
فالحزب الشيوعي كان موالياً للاتحاد السوفياتي وحلف وارسو (سابقاً)، ثمّ تحوّل ولاؤه بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي وسقوطه لأمريكا وللغرب عموماً خدمة لمباديء العلمانية والإلحاد العلمي بما فيه الشيوعية..
وتشأ حزب الإخوان المسلمين امتداداً لحركة الإخوان المسلمين المصرية .. فكّت الحركة الإسلامية السودانية ارتباطها بالتنظيم المصري باكراً .. وازدادت الشقة بينهما بعد المصالحة الوطنية في العام ١٩٧٧ .. حين انشقت الحركة الإسلامية إلى حزبين الحركة (الجبهة) الإسلامية (وهي كيان سوداني) وحزب الإخوان المسلمين الذين يدين بالولاء للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين (ويعني ذلك بصورة أساسية التنظيم المصري). الجبهة الإسلامية القومية انشقت لاحقاً إلى حزبيي المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي اللذين يناصبان بعضهما العداء والثأرات..
وكذلك تكوّنت أحزاب بعثية سودانية تدين بالولاء للبعث العراقي أو السوري .. وفي ثمانينات القرن الماضي تكوّن تنظيم اللجان الثورية الذي يدين بالولاء للحكومة الليبية ورئيسها الأسبق معمّر القذّافي ..
وأيضاً ظهرت في ثمانينات القرن الماضي حركات سلفية ارتبطت فكرياً ومالياً بالمؤسسة الدينية الرسمية (المذهب الوهّابي السلفي) بالمملكة السعودية..
وفي أواخر سبعينات القرن الماضي تكوّن مؤتمر الطلاب المستقلّين (وهو البذرة التي كونت حزب المؤتمر السوداني لاحقاً) من كوادر سرية شيوعية وإخوانية بصورة أساسية ..
من خلال هذا السرد وارتباطاته المتشابكة اتضح لنا أنّ الدولة السودانية الحديثة أُنشئت لخدمة المصالح الخارجية (بريطانيا ومصر) كما أن معظم الحركة السياسية السودانية وأحزابها لديها ارتباطات مالية وسياسية بالخارج الاستعماري أو الآيدولوجي بما فيه الماسونية العالمية ..
كما أنّ كثيراً من قيادات أحزابنا هي قيادات إما انتهازية أو عميلة صُنعت خصّيصاً لخدمة تلك المصالح.
لذا صار هدف العمل السياسي لكل هذه الأحزاب والكيانات السياسية هو السيطرة على مفاصل الدولة السودانية وتجبيرها لمصالح دول خارجية ترعى هذه الأحزاب .. وليس لديهم ولاء للشعب السوداني الصابر ولا لتطلعاته المشروعه أو تاريخه العريق وإرثه الحضاري..!
وأحدث دليل على صحة هذه النظرية هو تجيير محمد حمدان دقلو لقوات الدعم السريع وربطها بمصالح دولة أجنبية للسيطرة على موارد السودان لمصلحة تلك الدولة ..
وهذا النهج ليس بمستغرب على السياسة السودانية بل هو الممارسة الراتبة منذ إعلان الاستقلال في ١/ ١ / ١٩٥٦ ..فقد سارت علي هذا الدرب معظم النخب السودانية غير أنّ الجديد في أمر هذا الأحمق الجنجويدي هو أنه سعي لخدمة الأجنبي بالبندقية وبقتل أهله السودانيين ..
وقد تحالفت مع حميدتي دقلو مجموعات من السياسيين السودانيين (قحت/ تقدّم وغيرهم من الانتهازيبن) الذين ربطوا مصالحهم بالسفارات الأجنبية والبعثات الأممية (سفارة من بعد سفارة بكل جدٍ واجتهاد) فتلاقت مرة أخرى مصالح الغرب والشرق فأبدلنا الله أمريكا ببريطانيا والأمارات العربية بمصر الخديوية ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لذا فإننى أقترح إعادة تأسيس السودان الحديث على قواعد مصالح الأمة السودانية وقيمها وإرثها الحضاري وعلى نموذج الأباء المؤسسين (عمارة دونقس وعبد الله جمّاع) في مطلع القرن السادس عشر في حلفاية الملوك في العام ١٥٠٤ وهو حلف عُقد أساساً بين عربان السودان وزرقته .. وقد بدأت ملامح هذا الحلف في التشكل فقد توحّدت قوات دارفور والنيل الأزرق في القوات المشتركة ونرجو أن تلتحق بها قوات عبد العزيز الحلو كما أنّ المقاومة الشعبية قد تأسست في الولايات الشمالية والشرقية والوسطى وكردفان إضافة لجيشنا القومي وقواتنا النظامية وكل قبائل السودان وطرقه الصوفية ليؤسسوا تحالف الكرامة
أقترح أن تكون فترة إعادة بناء السودان وإعماره (١٠ سنوات) يتخلى فيها السودانيون طواعية عن الانتماء الحزبي والآيدولوجي الضيق وأن يكوّنوا حزباً أوحد نسميه حزب السودان .. وتكون عضويته مفتوحة لكل سوداني بالغ من العمر ١٥ عاماً فما فوق ذكراً كان أو أنثى.
ثمّ أقترح تكوين حزب معارض لحزب السودان تكون عضويته من الانتهازيين والعملاء الذين لديهم القدرة على التأثير على وحدة السودان وسلامة أراضيه .. وسوف نغدق عليهم بالأموال والمساكن والسيارات حتي لا يعيقوا بناء السودان ولكن نشترط على كل ساعٍ لعضوية هذا الحزب الانتهازي السوداني أن يثبت لنا انتهازيته وعمالته بالأدلة والبراهين حتى لا يسعى كثير من البسطاء للحصول على عضوية هذا الحزب طمعاً في امتيازاته ..
وستمنح العضوية الفخرية بلا شك ولا عناء لأبناء الأسر التي ارتبطت تاريخياً بالمصالح الخارجية وبعض سياسي الأحزاب الذين لا يحتاجون لكبير عناء لإثبات عمالتهم .. وكل قيادات الدعم السريع العليا وكثير من الرأسماليين السودانيين.
قد يقول قائل لماذا نغدق على الانتهازيبن والعملاء الأموال والامتيازات..؟
ونقول لأننا إذا لم نفعل ذلك سيعيقوننا عن إعادة إعمار السودان وبنائه ..
وأنّ المال الذي سوف ننفقه عليهم سيكون أقل كثيراً من عواقب تدخلهم في الحياة السياسية السودانية.. ودونكم مثال المجرم حميدتي دقلو وما سبّبه من دمار للسودان ومقدراته واقتصاده وثرواته ..
أخيراً أريد أن أؤكّد لكم أنه لن يسمح لمنسوبي القوات المسلحة السودانية بالانتماء للحزب الانتهازي .. دلك لأنه حسب قانون القوات المسلحة فإن مصير كل عميل انتهازي هو الإعدام رمياً بالرصاص ..