الأعمدة

الخدمات والأمن الاقتصادي …الحلقة المفقودة*

*الخدمات والأمن الاقتصادي …الحلقة المفقودة*

عمار العركي

توسّع مفهوم الأمن القومي، ولم يعد مقتصرًا على حماية الحدود أو مواجهة التهديدات العسكرية والأمنية التقليدية، بل أصبحت الجبهة الاقتصادية إحدى أهم الثغرات التي يُؤتى منها الأمن القومي. ومن ثمّ، أصبح الأمن الاقتصادي ركيزة أساسية في منظومة الأمن القومي، لما يضطلع به من دور في الإنذار المبكر بالمخاطر، واستشراف المهددات، والوقاية منها أو كشفها، والحد من آثارها قبل أن تتحول إلى أزمات تمس الدولة والمجتمع، بل قد تهدد استقرار الدولة نفسها إذا تُركت دون معالجة، وهو ما يجعل الأمن الاقتصادي أحد خطوط الدفاع الأولى عنها.

(1)

الأزمات التي تحيط بالخدمات، وفي مقدمتها الحرائق التي طالت عددًا من محطات التوليد الكهربائي، كنموذج عملي على أهمية الأمن الاقتصادي في حماية الخدمات والمرافق الحيوية. فإذا كانت تلك الحوادث قد نجمت عن قصور في إجراءات السلامة، أو ضعف في الصيانة، أو غياب خطط الوقاية وإدارة المخاطر، أو حتى عن أعمال تخريب متعمدة، فإنها تكشف خللًا في منظومة تأمين البنية التحتية الاستراتيجية.

(2)

أما إذا كانت نتيجة لأعمال تخريبية أو اختراقات أمنية، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة، ويؤكد الحاجة إلى منظومة أمن اقتصادي قادرة على الإنذار المبكر والكشف والوقاية، وهي مرحلة لا تقف عند حدود الرصد الأمني، وإنما تتطلب قرارات وتدخلات من مستويات القيادة العليا، لأن قيمة الإنذار المبكر لا تتحقق إلا إذا تُرجمت إلى سياسات وإجراءات في الوقت المناسب. وفي كلتا الحالتين، يبقى السؤال قائمًا: أين منظومة الأمن الاقتصادي؟ وأين آلياتها في حماية الخدمات قبل أن تتحول الأعطال إلى أزمات تمس حياة المواطنين والاقتصاد الوطني؟

(3)

الأمن الاقتصادي لا يقتصر على حماية المال العام أو مكافحة التهريب والفساد، وإنما يمتد إلى حماية الخدمات الأساسية، وتأمين المرافق الحيوية، ورصد مواطن الهشاشة، واستشراف المخاطر، وبناء منظومات وقائية تحول دون وقوعها أو تحد من آثارها. وهذه هي الفلسفة التي قامت عليها الأجهزة المتخصصة في الأمن الاقتصادي في كثير من دول العالم، والتحدي لا يكمن دائمًا في قدرة الأجهزة على الرصد أو جودة التقديرات، وإنما في مدى الصلاحيات الممنوحة لها، وفي حجم الاستجابة المؤسسية والسياسية لما ترفعه من إنذارات وتوصيات.

(4)

أجهزة الأمن والمخابرات، في أصلها وحقيقتها، تمثل ركيزة أساسية في بنية الدولة وذاكرتها الاستراتيجية، وليست مجرد أداة من أدوات الحكومة. فهي مؤسسات وطنية تنظر إلى المصالح العليا للدولة بمنظور يتجاوز الحسابات التنفيذية اليومية، وتعتمد على الرصد والتحليل والاستشراف لتوفير المعرفة اللازمة لصانع القرار. وليس دورها أن تحل محل المؤسسات التنفيذية، وإنما أن تسندها، وتكشف مكامن الخلل، وتنبه إلى المخاطر قبل وقوعها، بما يضمن سلامة القرار واستدامة الأداء.

(5)

بالضرورة إعادة تفعيل وتعزيز دور إدارة الأمن الاقتصادي بوصفها إدارةً تخصصيةً معنية برصد وتحليل المهددات الاقتصادية، وتأمين المرافق والخدمات الحيوية، وتوفير الإنذار المبكر لصانع القرار.

ولا يعني الحديث عن تفعيل وتعزيز دور إدارة الأمن الاقتصادي أنها تتحمل وحدها مسؤولية كل قصور يقع في حماية الخدمات أو المرافق الحيوية. فوظيفة الإدارة، في المقام الأول، هي الرصد والتحليل، واستشراف المخاطر، وإصدار الإنذارات المبكرة، ورفع التقديرات والتوصيات إلى الجهات العليا لاتخاذ ما يلزم من قرارات وإجراءات.

(6)

تقييم أداء ادارة الأمن الاقتصادي لا ينبغي أن يُبنى على وقوع الخطر وحده، وإنما على سؤالين جوهريين: هل كانت تملك الصلاحيات والأدوات الكافية لأداء مهامها؟ وهل وجدت تقاريرها وتوصياتها الاستجابة اللازمة من دوائر صنع القرار؟ فنجاح منظومة الأمن الاقتصادي لا يتوقف على كفاءة الرصد وحدها، وإنما على تكاملها مع الإرادة السياسية والإدارية القادرة على تحويل الإنذار المبكر إلى قرار، والتوصية إلى إجراء، قبل أن يتحول الخطر إلى واقع.

*_خلاصة القول ومنتهاه_ :*

السؤال اليوم لم يعد: كيف نحسن الخدمات؟ وإنما: كيف نؤمّن الخدمات؟ وكيف نمنع وقوع المخاطر وأعمال التخريب قبل أن نبحث عن معالجتها أو التعويض عنها؟ لأن الخدمة التي لا تملك منظومة أمنية تحميها من الفساد والإهمال والتخريب وسائر المهددات، تظل معرضة للتدهور مهما توفرت لها الموارد والإمكانات. فالأمن الاقتصادي ليس ترفًا إداريًا، ولا جهازًا رقابيًا فحسب، بل هو أحد خطوط الدفاع الأولى عن الدولة، وضمانة أساسية لاستدامة الخدمات وحماية الاقتصاد الوطني.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى