
العفو لا يمحو وجع الضحايا… فهل يسقط الحق الخاص إخلاص محمدابراهيم
العفو لا يمحو وجع الضحايا… فهل يسقط الحق الخاص
إخلاص محمدابراهيم
عندما تختلط علينا البقر، ويصبح من الصعب أن نميّز بين المواقف والوجوه، فإن الحقيقة تظل هي الحقيقة. ومن الخير أن ينسلخ أفراد من قوات الدعم السريع، ويعودوا إلى خيار الشعب السوداني، وينضموا إلى الجيش، فذلك في حد ذاته أمر إيجابي، إذا كانت العودة تعني الانحياز للوطن والدولة ورفض التمرد والحرب.
ومن الرائع أن يعود أبناء الوطن إلى صف الجيش، وأن يختاروا الطريق الذي يرونه صحيحًا، لكن ما يلفت الانتباه هو أن بعض هؤلاء العائدين، مثل كيكل وبقال وموسى هلال والنور قبة وسافناوآخرين لا أتشرّف حتى بمعرفة أسمائهم، قد انضموا إلى القوات المسلحة في إطار العفو الذي صدر من القائد العام ورئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.
وقد ذكرنا في مقالات سابقة أن الصلح خير، وأن العفو والتسامح من القيم التي يحتاج إليها السودان بشدة في هذه المرحلة، لأن الوطن المنهك من الحرب لا يحتمل المزيد من الدماء والانقسامات.
لكن هناك سؤالًا لا بد من طرحه بصراحة، ولا يجوز أن نخشى من طرحه:
هل العفو العام يسقط الحق الخاص؟
بالنسبة لي، الإجابة مختلفة تمامًا عندما يتعلق الأمر بألم شخصي عشته بنفسي.
أنا كسودانية تشردت، وماتت والدتي نتيجة النزوح وهي كبيرة في السن. ماتت في مصر، بعيدة عن بيتها، وبعيدة عن أسرتها، وبعيدة عن المكان الذي كان من المفترض أن تقضي فيه آخر أيام حياتها بكرامة وأمان.
كيف يمكن أن أطلب من نفسي أن أنسى؟
كيف يمكن أن أتنازل عن حقي لمجرد أن شخصًا قرر اليوم أن يعود إلى الجيش؟
أنا عشت مع والدتي تفاصيل النزوح، وشاهدتها تنتقل من ولاية إلى أخرى داخل السودان، وهي امرأة كبيرة في السن، حتى سقطت مدينة ود مدني، واقترب القتال من المنطقة التي نزحنا إليها، الأمر الذي اضطرنا إلى الخروج مرة أخرى، خوفًا عليها وعلى ما قد يترتب من أفعال المليشيات المتمردة.
لقد عاشت والدتي الخوف والنزوح والإرهاق والسفر، ثم انتهى بها المطاف في مصر، حيث ماتت بعيدًا عن بيتها وأهلها.
فمن يعيد لي أمي؟
من يعيد لي الأيام التي قضيتها معها وأنا أراها تتنقل من مكان إلى آخر بحثًا عن الأمان؟
من يمحو عن ذاكرتي مشاهد التعب والخوف والقلق؟
ومن يستطيع أن يعيد والدتي إلى بيتها وأسرتها ووطنها؟
لا أحد.
ولهذا فإن الحديث عن العفو والمصالحة يجب ألا يجعلنا ننسى أن هناك ضحايا لهم حقوق ومشاعر وجراح لا يمكن أن تُمحى بقرار إداري أو سياسي.
اليوم شاهدت فيديو لأحد المتمردين الذين انضموا إلى الجيش، وقال بصريح العبارة إنهم عادوا إلى الجيش الذي كانوا أصلًا جزءًا منه، كما تحدث عن أنه يعتزر للشعب السوداني.
وأقول هنا: نعم، الشعب السوداني يريد عودة أبنائه إلى الوطن، ويريد أن تنتهي الحرب، ويريد أن يرى السودان موحدًا وآمنًا ومستقرًا.
لكن هناك كلمة أخرى قيلت في ذلك الفيديو لا يمكن أن أتجاوزها، وهي أن سبب الانضمام كان المعاملات السيئة التي كانوا يتعرضون لها من بعض قيادات الدعم السريع.
وهنا أسأل:
إذا كان سوء المعاملة هو الذي دفعه إلى ترك الدعم السريع والعودة إلى الجيش، فماذا عن المواطنين الذين لم تكن أمامهم فرصة للهرب؟
ماذا عن الذين فقدوا أبناءهم؟
ماذا عن النساء اللاتي فقدن أزواجهن؟
ماذا عن الأطفال الذين أصبحوا بلا آباء؟
وماذا عن كبار السن الذين ماتوا وهم يحملون أوجاع النزوح والخوف؟
وماذا عن أمي التي ماتت بعيدًا عن بيتها؟
إن كانت المعاملة السيئة قد دفعت بعض أفراد الدعم السريع إلى الانضمام إلى الجيش، فإن ما تعرض له الشعب السوداني من قتل ونزوح وتشريد وانتهاكات وفقدان للأمن والكرامة أكبر من أن يُختزل في مجرد اعتذار أو انضمام جديد.
وكما تقول اغنية السوداني:
«اعتذارك ما بفيدك، العملتو كان بإيدك».
أنا لا أقول إن كل من عاد إلى الجيش يجب أن يُرفض، ولا أقول إن باب التوبة يجب أن يُغلق أمام أحد. فالإنسان قد يخطئ، وقد يراجع موقفه، وقد يعود إلى الطريق الصحيح، والدولة من حقها أن تتخذ ما تراه مناسبًا من إجراءات لتحقيق السلام والاستقرار.
لكنني أقول شيئًا واحدًا بكل وضوح:
لا تجعلوا العفو السياسي سببًا في إسقاط حقوق الضحايا.
هناك فرق بين أن تعفو الدولة، وبين أن يتنازل الضحية عن حقه.
هناك فرق بين المصالحة الوطنية، وبين الحق الخاص.
وهناك فرق بين أن نفتح أبواب العودة لمن اختار الوطن، وبين أن نطلب من أم فقدت ابنها، أو ابن فقد أمه، أو أسرة فقدت منزلها ومالها ومستقبلها، أن تنسى كل شيء وكأن شيئًا لم يحدث.
أنا مع السلام، لكنني مع السلام العادل.
أنا مع المصالحة، لكنني مع مصالحة تحفظ حقوق الضحايا.
أنا مع عودة أبناء السودان إلى جيشهم ووطنهم، لكنني في الوقت نفسه مع أن يأخذ القانون مجراه في كل قضية تتعلق بحقوق المواطنين.
لقد فقدت أمي، ولم أفقد قطعة من ممتلكاتي فقط.
لقد فقدت إنسانة كانت جزءًا من حياتي، وماتت وهي بعيدة عن بيتها وأسرتها بسبب ظروف النزوح والحرب.
ولهذا أقولها بوضوح:
أنا لن أسامح من يملك الحق أن يسامح عني، ولن أتنازل عن حق أمي باسمي.
أنا أريد حقي وحق أمي كاملًا، ولكن ليس بالانتقام، وليس بالكراهية، وليس خارج القانون.
أريده بالقانون.
فالعدالة ليست انتقامًا، والمطالبة بالحق ليست دعوة للحرب، والاحتفاظ مبالحق الخاص لا يعني رفض السلام.
بل إن السلام الحقيقي لا يكتمل إلا عندما يشعر الضحية أن حقه محفوظ، وأن معاناته لم تذهب هباءً، وأن دماء الضحايا وآلامهم لم تتحول إلى مجرد أرقام في صفحات التاريخ.
نحن نريد أن تنتهي الحرب، ونريد أن يعود السودان إلى أهله، ونريد أن يعود كل من اختار الوطن إلى حضن الدولة، ونريد أن يعيش أبناؤنا بعيدًا عن الرصاص والنزوح والموت.
لكننا أيضًا نريد عدالة تحفظ كرامة الضحايا.
فالصلح خير، والعفو قيمة عظيمة، والمصالحة ضرورة وطنية، لكن لا ينبغي أن تتحول هذه الكلمات الجميلة إلى ستار يُخفى خلفه وجع الضحايا.
من فقد أمه لا يستطيع أن يتصرف وكأنها لم تمت.
ومن فقد ابنه لا يستطيع أن يمحو اسمه من ذاكرته.
ومن عاش النزوح لا يستطيع أن ينسى الطريق.
ومن فقد بيته لا يستطيع أن يعيده بكلمة اعتذار.
أما أنا، فسأظل أطالب بحقي وحق والدتي، كاملًا بالقانون.
ليس لأنني أكره أحدًا، وليس لأنني أرفض السلام، وإنما لأنني أؤمن أن السودان الذي نحلم به يجب أن يكون سودانًا للسلام والعدالة معًا.
فالسلام بلا عدالة قد يوقف صوت الرصاص، لكنه لا يوقف وجع الضحايا.
#السودان
#الحق_الخاص
#السلام_والعدالة
#حقوق_الضحايا
#العدالة_أولاً
#السلام_في_السودان
#لا_للافلات_من_العقاب
#السودان_أولاً