
الكوز سلوك.. وليس كل إسلامي فاسدًا نقطة سطر جديد الكوز سلوك.. وليس كل إسلامي فاسدًا
نقطة سطر جديد
إخلاص محمدابراهيم
في كل المجتمعات، قديمها وحديثها، يوجد الصالح والطالح، ويوجد الإنسان الذي يحسن القول والعمل، وآخر قد يسيء في أقواله وأفعاله. وهذه سنة من سنن الحياة، ولا يمكن أن نقيس الناس جميعًا بمقياس واحد لمجرد انتمائهم إلى دين أو جماعة أو تيار سياسي.
فقد يكون الإنسان مسلمًا، لكن سلوكه بعيد عن تعاليم الإسلام، وقد يكون يهوديًا أو مسيحيًا أو من غير أتباع الأديان السماوية، ومع ذلك تجد في أخلاقه وأفعاله ما يستحق التقدير. فالأديان شيء، وسلوك الإنسان وتطبيقه لما يؤمن به شيء آخر.
والتاريخ الإسلامي نفسه يقدم لنا نماذج واضحة على ذلك؛ فقد كان أبو لهب وزوجته من أشد الناس عداءً للرسول ﷺ، رغم قربهما منه، بينما كان هناك من آمنوا بالله ورسوله وقدموا نماذج عظيمة في الأخلاق والتضحية.
لماذا أقول هذا الكلام؟
لأنني أرى أن الخطاب السياسي في السودان خلال السنوات الأخيرة أصبح أسيرًا لمصطلح واحد يُستخدم في كل مناسبة: «الكيزان».
كلما تقدمت القوات المسلحة وحققت انتصارًا، خرج من يقول: «ديل الكيزان والطابور الخامس». وكلما حدث قصف بطائرة مسيّرة، قيل: «ديل الفلول والكيزان». وكلما ظهر شخص في موقع أو مؤسسة، يبدأ البعض في البحث عن انتمائه السياسي قبل أن يسأل عن كفاءته أو نزاهته.
أنا لا أنكر أن هناك أشخاصًا في فترة الإنقاذ أساؤوا إلى الإسلاميين قبل أن يسيئوا إلى أنفسهم، وأن بعض من تولوا المناصب العامة استغلوا السلطة والنفوذ والعلاقات لتحقيق مصالح شخصية. وهذا أمر يجب أن يُدان، بل يجب أن تكون هناك محاسبة عادلة لكل من أفسد أو ظلم أو استغل المال العام.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل كل الإسلاميين فاسدون؟
الإجابة بكل وضوح: لا.
كما أن وجود فاسدين في فترة الإنقاذ لا يعني أن كل من كان يعمل في مؤسسات الدولة آنذاك كان فاسدًا، ولا يعني أن كل من انتمى إلى الحركة الإسلامية أو تعاطف معها ارتكب جريمة.
الخطأ الذي نقع فيه اليوم هو أننا نخلط بين الفكر والانتماء من جهة، والسلوك والممارسة من جهة أخرى.
قد يكون شخص ما إسلاميًا، لكنه نزيه وشريف ولم يمد يده إلى المال العام. وقد يكون شخص آخر بعيدًا عن الإسلاميين تمامًا، لكنه فاسد ويستغل منصبه لتحقيق مصالحه.
إذن، لماذا نحاسب الإنسان على اللافتة التي يحملها بدلًا من محاسبته على أفعاله؟
وهنا أقول: الكوز سلوك، وليس شخصًا.
إذا كان «الكوز» بالنسبة لنا يعني الفساد واستغلال السلطة والنفوذ والمحسوبية والمتاجرة بالمصلحة العامة، فإن هذه الصفات لا تنتمي إلى حزب أو جماعة بعينها؛ يمكن أن تجدها في أي مكان، وفي أي تيار، وفي أي مؤسسة.
الفاسد يجب أن يُحاسب لأنه فاسد، وليس لأنه «كوز».
والصالح يجب أن يُحترم لأنه صالح ونزيه، وليس لأنه ينتمي إلى هذا التيار أو ذاك.
والأغرب أن بعض الذين يرفعون اليوم شعار محاربة «الكيزان» قد يكونون هم أنفسهم قد استفادوا في الماضي من العلاقات والمواقع والنفوذ، ثم أصبحوا يتحدثون وكأن الفساد كان حكرًا على مجموعة واحدة!
وهنا علينا أن نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا.
فقد رحل كثير من الذين كانوا في السلطة إلى رحمة الله، وبعضهم يعيش اليوم بعيدًا عن المشهد السياسي، وبعضهم مريض، ومع ذلك ما زلنا نعيد أسماءهم ونستخدمهم شماعة لكل ما يحدث في السودان.
فأين الكيزان إذن؟
هل أصبح كل نجاح «كيزانًا»؟
وهل أصبح كل فشل «كيزانًا»؟
وهل أصبح كل من نختلف معه «كوزًا»؟
وهل أصبح كل من لا يتفق مع رؤيتنا «طابورًا خامسًا»؟
إذا استمررنا بهذه الطريقة، فلن نبني دولة.
نحن بحاجة إلى أن نخرج من عقلية التصنيف الجماعي إلى عقلية المحاسبة الفردية.
من أفسد فليُحاسب.
من سرق المال العام فليُحاسب.
من استغل السلطة فليُحاسب.
من ارتكب جريمة فليُحاسب أمام القانون.
لكن لا يمكن أن نحاكم إنسانًا لمجرد أنه إسلامي، كما لا يمكن أن نبرئ فاسدًا لمجرد أنه ينتمي إلى تيار نؤيده.
والأخطر من ذلك أن نستخدم شعار محاربة «الكيزان» لإعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم في مواقع جديدة، أو لإقصاء الكفاءات، أو لتقسيم المجتمع إلى «معنا» و«ضدنا».
قد يأتي «الكوز» إلى لجنة جديدة للحوار الوطني، وقد يأتي شخص آخر من تيار مختلف، لكن القضية ليست في الاسم ولا في اللافتة؛ القضية في ما الذي سيقدمه هذا الشخص للسودان؟ وهل هو نزيه؟ وهل هو كفء؟ وهل يعمل لمصلحة الوطن أم لمصلحته الخاصة؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن نطرحها.
أما أن نظل نبحث عن «الكوز» خلف كل واجهة، وكل مؤسسة، وكل نجاح، وكل إخفاق، فلن ننتهي.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التخوين والتصنيف، وإنما يحتاج إلى العدل، والمحاسبة، والكفاءة، والنزاهة، وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية.
ولذلك أقولها مرة أخرى:
ليس كل الإسلاميين فاسدين، كما أن كل الفاسدين ليسوا إسلاميين.
ولا تجعلوا «الكيزان» شماعة نعلق عليها كل أخطاء السودان.
حاسبوا الإنسان على فعله، لا على اسمه.
وحاسبوا الفاسد على فساده، لا على انتمائه.
ودعونا نبني وطنًا لا يكون فيه الانتماء السياسي حصانة، ولا يكون الاختلاف السياسي جريمة.
فالسودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من خلافاتنا السياسية.
والكوز الحقيقي في النهاية ليس من نحكم عليه من خلال اسمه أو انتمائه، وإنما من يكشفه سلوكه وممارسته.
#إخلاص_محمدابراهيم
#نقطة_سطر_جديد
#الكوز_سلوك_وليس_شخصًا
#السودان
#لا_لعميم
#المحاسبة
#النزاهة
#الحوار_الوطني
#السودان_أولاً
إخلاص محمدابراهيم
في كل المجتمعات، قديمها وحديثها، يوجد الصالح والطالح، ويوجد الإنسان الذي يحسن القول والعمل، وآخر قد يسيء في أقواله وأفعاله. وهذه سنة من سنن الحياة، ولا يمكن أن نقيس الناس جميعًا بمقياس واحد لمجرد انتمائهم إلى دين أو جماعة أو تيار سياسي.
فقد يكون الإنسان مسلمًا، لكن سلوكه بعيد عن تعاليم الإسلام، وقد يكون يهوديًا أو مسيحيًا أو من غير أتباع الأديان السماوية، ومع ذلك تجد في أخلاقه وأفعاله ما يستحق التقدير. فالأديان شيء، وسلوك الإنسان وتطبيقه لما يؤمن به شيء آخر.
والتاريخ الإسلامي نفسه يقدم لنا نماذج واضحة على ذلك؛ فقد كان أبو لهب وزوجته من أشد الناس عداءً للرسول ﷺ، رغم قربهما منه، بينما كان هناك من آمنوا بالله ورسوله وقدموا نماذج عظيمة في الأخلاق والتضحية.
لماذا أقول هذا الكلام؟
لأنني أرى أن الخطاب السياسي في السودان خلال السنوات الأخيرة أصبح أسيرًا لمصطلح واحد يُستخدم في كل مناسبة: «الكيزان».
كلما تقدمت القوات المسلحة وحققت انتصارًا، خرج من يقول: «ديل الكيزان والطابور الخامس». وكلما حدث قصف بطائرة مسيّرة، قيل: «ديل الفلول والكيزان». وكلما ظهر شخص في موقع أو مؤسسة، يبدأ البعض في البحث عن انتمائه السياسي قبل أن يسأل عن كفاءته أو نزاهته.
أنا لا أنكر أن هناك أشخاصًا في فترة الإنقاذ أساؤوا إلى الإسلاميين قبل أن يسيئوا إلى أنفسهم، وأن بعض من تولوا المناصب العامة استغلوا السلطة والنفوذ والعلاقات لتحقيق مصالح شخصية. وهذا أمر يجب أن يُدان، بل يجب أن تكون هناك محاسبة عادلة لكل من أفسد أو ظلم أو استغل المال العام.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل كل الإسلاميين فاسدون؟
الإجابة بكل وضوح: لا.
كما أن وجود فاسدين في فترة الإنقاذ لا يعني أن كل من كان يعمل في مؤسسات الدولة آنذاك كان فاسدًا، ولا يعني أن كل من انتمى إلى الحركة الإسلامية أو تعاطف معها ارتكب جريمة.
الخطأ الذي نقع فيه اليوم هو أننا نخلط بين الفكر والانتماء من جهة، والسلوك والممارسة من جهة أخرى.
قد يكون شخص ما إسلاميًا، لكنه نزيه وشريف ولم يمد يده إلى المال العام. وقد يكون شخص آخر بعيدًا عن الإسلاميين تمامًا، لكنه فاسد ويستغل منصبه لتحقيق مصالحه.
إذن، لماذا نحاسب الإنسان على اللافتة التي يحملها بدلًا من محاسبته على أفعاله؟
وهنا أقول: الكوز سلوك، وليس شخصًا.
إذا كان «الكوز» بالنسبة لنا يعني الفساد واستغلال السلطة والنفوذ والمحسوبية والمتاجرة بالمصلحة العامة، فإن هذه الصفات لا تنتمي إلى حزب أو جماعة بعينها؛ يمكن أن تجدها في أي مكان، وفي أي تيار، وفي أي مؤسسة.
الفاسد يجب أن يُحاسب لأنه فاسد، وليس لأنه «كوز».
والصالح يجب أن يُحترم لأنه صالح ونزيه، وليس لأنه ينتمي إلى هذا التيار أو ذاك.
والأغرب أن بعض الذين يرفعون اليوم شعار محاربة «الكيزان» قد يكونون هم أنفسهم قد استفادوا في الماضي من العلاقات والمواقع والنفوذ، ثم أصبحوا يتحدثون وكأن الفساد كان حكرًا على مجموعة واحدة!
وهنا علينا أن نكون أكثر صدقًا مع أنفسنا.
فقد رحل كثير من الذين كانوا في السلطة إلى رحمة الله، وبعضهم يعيش اليوم بعيدًا عن المشهد السياسي، وبعضهم مريض، ومع ذلك ما زلنا نعيد أسماءهم ونستخدمهم شماعة لكل ما يحدث في السودان.
فأين الكيزان إذن؟
هل أصبح كل نجاح «كيزانًا»؟
وهل أصبح كل فشل «كيزانًا»؟
وهل أصبح كل من نختلف معه «كوزًا»؟
وهل أصبح كل من لا يتفق مع رؤيتنا «طابورًا خامسًا»؟
إذا استمررنا بهذه الطريقة، فلن نبني دولة.
نحن بحاجة إلى أن نخرج من عقلية التصنيف الجماعي إلى عقلية المحاسبة الفردية.
من أفسد فليُحاسب.
من سرق المال العام فليُحاسب.
من استغل السلطة فليُحاسب.
من ارتكب جريمة فليُحاسب أمام القانون.
لكن لا يمكن أن نحاكم إنسانًا لمجرد أنه إسلامي، كما لا يمكن أن نبرئ فاسدًا لمجرد أنه ينتمي إلى تيار نؤيده.
والأخطر من ذلك أن نستخدم شعار محاربة «الكيزان» لإعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم في مواقع جديدة، أو لإقصاء الكفاءات، أو لتقسيم المجتمع إلى «معنا» و«ضدنا».
قد يأتي «الكوز» إلى لجنة جديدة للحوار الوطني، وقد يأتي شخص آخر من تيار مختلف، لكن القضية ليست في الاسم ولا في اللافتة؛ القضية في ما الذي سيقدمه هذا الشخص للسودان؟ وهل هو نزيه؟ وهل هو كفء؟ وهل يعمل لمصلحة الوطن أم لمصلحته الخاصة؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن نطرحها.
أما أن نظل نبحث عن «الكوز» خلف كل واجهة، وكل مؤسسة، وكل نجاح، وكل إخفاق، فلن ننتهي.
السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التخوين والتصنيف، وإنما يحتاج إلى العدل، والمحاسبة، والكفاءة، والنزاهة، وإعلاء مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية.
ولذلك أقولها مرة أخرى:
ليس كل الإسلاميين فاسدين، كما أن كل الفاسدين ليسوا إسلاميين.
ولا تجعلوا «الكيزان» شماعة نعلق عليها كل أخطاء السودان.
حاسبوا الإنسان على فعله، لا على اسمه.
وحاسبوا الفاسد على فساده، لا على انتمائه.
ودعونا نبني وطنًا لا يكون فيه الانتماء السياسي حصانة، ولا يكون الاختلاف السياسي جريمة.
فالسودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من خلافاتنا السياسية.
والكوز الحقيقي في النهاية ليس من نحكم عليه من خلال اسمه أو انتمائه، وإنما من يكشفه سلوكه وممارسته.
#إخلاص_محمدابراهيم
#نقطة_سطر_جديد
#الكوز_سلوك_وليس_شخصًا
#السودان
#لا_للتعميم
#المحاسبة
#النزاهة
#الحوار_الوطني
#السودان_أولاً