الأخبار

المتغيرات في العادات والتقاليد السودانية ذكرياتي في ” الأعياد ” كتب : بدر الدين العتَّاق ذكرياتي في العيد

المتغيرات في العادات والتقاليد السودانية

ذكرياتي في ” الأعياد ”

كتب : بدر الدين العتَّاق

ذكرياتي في العيد

في السودان عموماً وبالتحديد مدينة أم درمان وبالأخص حي بيت المال، وعموم ديار المسلمين بالبلاد ، إذا أقبل عيد الفطر أو الاضحية، قابله الناس إحياء لشعيرة من شعائر الفرح ما عدا أنا، فأنا لم أشعر قط بنكهة العيد ولا حلاوته ولم يتسن لي أن فرحت به وبقدومه ولم يتفق لي ذلك قط ، ذلك لأنَّ الأيام عندي كلها سواء خلاف شعور آخر ينتابني هو كراهتي له وأغلب الظن يعود السبب لأني لم أجد له تأصيلاً في القرآن بالذات والذين يستندون للآية : { فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون } سورة يونس ، لا علاقة لها بالعيد لا من قريب ولا من بعيد وليس موضعها ههنا من الشرح ، ولم يطب لي يوماً أن أتهيأ له إلَّا بمقدار المشاركة العامَّة بكل تكلف .

بصراحة شديدة ، أنا أكره الأعياد للحد البعيد لأسباب محضة تخصني راجعة إلى حالة اليتم التي لم تبارحني منذ سنة ١٩٨٠ يوم انتقل والدي إبراهيم العتَّاق للرفيق الأعلى ، حتى لحظة كتابة هذه الكلمة وهذا الشعور بمقياس اليتم حالة طبيعية عامَّة زد عليها الشعور الغريزي بالنقص في الأحياء والأشياء ، ولا تقف عند هذه النقطة أيُّها القارئ الكريم فهي عادية لمن اعتاد عليها وصاحَب مثل تجربتي وكله بأمر الله .

النظافة والاستعدادات

بعامَّة ، نقوم على نظافة البيت بالمُقْشَاشَة ( المكنسة ) في ليلة العيد ولا أدري لماذا كل هذا الضغط النفسي والمعنوي والمادي ، فالفرصة للتجهيز للعيد واسعة ، ذات الاستعداد لموسم رمضان أو الخريف أو أي مناسبة عامَّة ، وهنا أشير لخصوصية الموقف .

كان لمنزلنا في بيت المال مساحة واسعة للغاية ليست معمولة بالخرصانة قبل سنة ١٩٩٨ ، قبل تخرجي في الجامعة قسم الهندسة المدنية إذ تم رصفه بالخرسانة فيما بعد ، أو السيراميك أو البلاط الحبشي أو ما شابه ، فكانت المساحة كلها مفروشة بالرملة أو طبيعتها كانت كذلك ، وفي آخر الحوش مساحة مقدرة من النجيلة أو حديقة خارجية أمام الباب الرئيس للشارع العام بين جوانبها مساحة جافة من الطوب المرصوص / ضفرة طوب / رصاً جيداً من قديم الزمان ، وبالحديقة شجرات ليمون ثلاثة ونخلة وجوافة ، أمَّا شجرات الليمون فقد جفَّت جفافاً مدقعاً بسبب غسيل الملابس تحتها وسقايتها بماء الغسيل فقطعت لاحقاً ، وهي من أحب الأشجار إلي، وأمَّا النخلة الحمقاء فقد زرعناها مؤخراً وسرعان ما بسقت بسوقاً بهيجاً وما زالت قائمة حتى اليوم تقاوم بأس البشر وقسوة المناخ ، وأمَّا شجرة الجوافة فزرعتها أنا واخطأت حين وضعتها في داخل الحديقة ودفنتها بالمزهرة الحديدية التي كانت بها وحالت دون اكتفاءها من الماء حين نسقيها فلم تنبت زماناً طويلاً أكثر من متر ونصف فقطعت لاحقاً ولم تستبدل بشيء جديد، وأمَّا الحديقة نفسها فمرَّة تخضر هيجاناً ومرَّة تجف جفافاً شنيعاً .

اتعهد أنا وشقيقتي فطين بالترتيب والتدبير للبيت من ناحية النظافة المخلصة المتقنة النهائية لاستقبال المعايدين والزائرين وأبناء السبيل ، واتعهد أنا بتركيب الستائر ودق المسامير على الحوائط وهو عمل شاق للغاية وكريه جداً خصوصاً وأنا كنت قصير القامة حينها وأجد فيه صعوبة ومعاناة لكن لا بد من الإنجاز والاعجاز لكل الغرف والصالات وما إلى ذلك حتى قبيل آذان فجر العيد.

في المقابل من باب النظافة ، كان أكثر ما يزعجني ” بلَّاعة / بالوعة / منهول ” الجيران التي تسيل أنهاراً قميئة من الجار مقابل بيتنا طيلة أيَّام السنة ، مما جعلت الشارع مقابل المسجد وحتى ناحية الأسفلت من الناحية الجنوبية جوار الصهريج أمراً يستحيل معه النظافة ، فنقوم مع شباب الحي من ذات الشارع التيمان مالك وبدر الدين ، ومحمد مجروس ومعتصم ومرتضى ورُبَّمَا سامي ووائل ، بردم الحفر والمياه على طول الشارع من الجنوب إلى الشمال حد منزل يونس الجنيد الآن من الناحية الشمالية من المربوع ، مع الكنس وجمع الزبالة وحرقها أو رميها في المزبلة – الكوشة – أيُّهم أقرب وأيسر ، وما أن يمضي ظهر اليوم الأول من العيد حتى تعود الدورة من جديد بخصوص البالوعة لسوء الاستعمال من أصحابها ولا يتكلم فينا أحد خشية الشجار وقطع الصلات .

نظافة المسجد، جامع الحاجة سكينة ، جزء لا يتجزأ من منظومة النظافة بعامَّة هي والشارع المقابل لباب المسجد ، فكنت أنا والأخ الحبيب أحمد أبو سلب – طبيب الآن ، رغم اصابته بداء الحساسية من الغبار – ومعنا الأخ بهاء الدين حسين أسعد نقوم بنظافة الأرضية والسقف والجدران والشبابيك والأبواب والموكيت بالإضافة لملأ الازيار وخلافه ، ثم نقوم بإعادة ترتيب المصاحف في الأرفف والدولاب الخشبي القصير ذي الباب الزجاجي ، وأذكر كانت لنا صحيفة حائطية تهتم بالعقيدة وشيء من الأدب نحررها نحن الثلاثة شخصي الضعيف وأحمد أبو سلب وبهاء الدين حسين أسعد ، نسيت اسمها الآن، والحقيقة تقال : إن أحمد أبا سلب كان أكثرنا نشاطاً وهِمَّةً في نظافة المسجد وله طاقة جبارة جداً في الإتقان، لله دره ، فقد افترقنا سنين طويلة .

كحك العيد

الوالدة، رحمها الله رحمة واسعة، كانت تهم بأمر كحك العيد والبسكويت والبيتي فور بمكنة هالكة ومهلِكة واستعداد مستميت لتنجزه قبل الوقفة ، فأقوم ومرَّات مع شقيقتي فطين بالذهاب إلى فرن مخبز عثمان حلمي ، وكان الوحيد في الشارع جوار منزل ممدوح عثمان عوض السيد ” ضكرو ” ، وأسرة حلمي أسرة شهيرة بأم درمان وبيت المال تحديداً ، هم تجار في الغالب الأعم ، ولاحقاً تم تشييد فرن أو مخبز حديث في بيت المال تِحِتْ شارع السيد علي الميرغني أمام مسجد خليل عمارة لكنه مزدحم طول اليوم وبعيد عن المنزل مما ينفر عن الذهاب إليه إلَّا لماماً .

الحلوى والبسكويت والخبيز أو المخبوزات التي نالت حظها غير منقوص من نار فرن عثمان حلمي ، تُقَدَّم للضيوف المعايدين لنا وهم قليل مقارنة مع من نزورهم فيبقى في البيت للشهر الذي يليه، والبسكويت من أحب المخبوزات إليَّ حتى لحظة كتابة هذه الكلمة لأنَّه سريع التحضير مع الشاي السادة ومؤانسة الوالدة رحمها الله رحمة واسعة، وعموماً أنا مغرم أشد الغرام بالشاي السادة والبسكويت أيَّاً كان نوعه وحبذا الكيك والمخبوزات الحديثة وكل السكريات وحبذا انت أيتها الباسطة والبسبوسة .

خطبة العيد والصلاة

السبع بيوت ، لا أظن أحداً غيرهم جاءنا زائراً إلَّا لماماً حين كنا نذهب لمعايدة أكثر أهل الحي بعد أداء صلاة العيد ، وبهذه المناسبة صلاة العيد في تقديري الشخصي شعيرة اجتماعية أكثر من كونها سُنَّة من السنن النبوية، وكان المرحوم خليل سعد إمام مسجد حاجة سكينة أحمد حسن عبد المنعم، لا يأتي بجديد في خُطَبِهِ سواء يوم الجمعة أو الأعياد وحتى من جاء بعده مثل الشيخ الأحمدي أو شيخ موسى الذي كان حافظاً للقرآن ، رُبَّمَا راودني هذا الشعور كثيراً إذ كنت مضطراً لسماع الخطبة واداء الصلاة .

في مسجد خليل عمارة ببيت المال تِحِتْ ، يخطب الأستاذ التجاني محمد أحمد ، وهو معلم بالمدارس الابتدائية والمتوسطة ولا يخلو من تجديد في خطبه إلا أنَّها لا روح فيها وإن كانت أفضل من خطب أئمة مسجد حاجة سكينة.

أنا أتكلم عن انطباعي آنذاك مقارنة مع ما أعرفه من الدين اليوم ولو قليل ولا يعني بذلك ضعفهم أو تضعيفهم – حاشا لله – فقد أغدت منهم الكثير بحكم العمر وقتها ، ولا أعدو أن كنت تلميذاً لهم بلا شك ، جعلها الله في ميزان حسناتهم .

لاحقاً ، تكاثر الناس في صلاة العيد فلم يسعهما المسجدين : حاجة سكينة وخليل عمارة ، فاقترحوا أن تكون صلاة العيدين في ميدان السَهَلَةِ من الناحية الشرقية المواجهة لكورنيش النيل نسبة لسعة المكان وكثرة المصلين ، وما هو إلَّا قليل حتى تكاثرت الناس من حي الكِدَّاوِيَّة ودكاكين الطاهر والدعيتة والجوار وغيرهم ، و رُبَّمَا صلَّى بنا المرحوم محمد علي التنقاري ويقيم الصلاة المرحوم محمد بخاري الترزي الماهر ، وأخذ الراية من بعده أخيه عبد الله بخاري ” رُبُّو ” الترزي الماهر أيضاً بجوار نادي بيت المال صاحب الجملة الشهيرة : ( أهو جااااااكم يا مجانين ) إذا تأخر التنقاري من موعد الصلاة وكان يرددها فصارت أيقونة له .

التسوق والهدايا والشراء

سوق أم درمان وسوق الشجرة بشارع أبي روف لا يخلوان من مشاة أو ركبان ، وأذكر مرَّة كنت فيها مكرهاً أن اشتري جديداً للعيد ومعي شقيقي الكبير وذهبنا لسوق أم درمان قبل أربعين سنة تقريباً واشترينا شبطين جديدين من محلات باتا للأحذية غرب الجامع الكبير ولبسته مكرهاً وسرعان ما رميته ، وكذلك سنة ١٩٩٨ اشتروا لي قميصاً بعشرة جنيهات حينما كان الجنية السوداني يعادل ثلاثة دولارات امريكية ، من سوق ليبيا بعد معاناة وكراهة ومعاندة شديدة ، لبسته مرَّات عديدة اذهب به للجامعة وهناك صورة لي وأنا ارتديه في مناسبة بالجامعة على خشبة المسرح ، وسرعان ما رميته إذ لم يكن شراءه خالصاً لله تعالى ولا للطالب لليتيم ، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

لكن الحق يُقال ، كانت تأتينا كسوة العيد سنوات الثمانينيات ١٩٨٤ حتى ١٩٩٢ من القرن الماضي من السعودية ، من طريق الأخت الفاضلة القديرة سمية وزوجها المرحوم عوض الكريم سمساعة، فهو كان بنا رحيماً وكانت لنا ركناً شديداً وكثير ما انشد بمناسبة حلول العيدين رائعة المتنبي :

بأي حال عدت يا عيد * بما مضى أم لأمر فيك تجديد

أمَّا الأحبة فالبيداء دونهم * فليت دونك بيدا دونها بيد

أصخرة أنا مالي لا تحركني * هذي المدام ولا تلك الزغاريد

وكأنَّه كتبها لمثل حالتي ، وقد جاراه فيها السفير خالد فتح الرحمن، بديوانه ” قصائد ليست للتصفيق ” وهي ضعيفة وحداثوية ومتكلفة ليست بحرارة المتنبي بحال من الأحوال ولقد استمعت إليه شخصياً يلقيها بمسرح قاعة الشارقة سنة 1996 تقريباً جامعة الخرطوم ولم تعجبني ولم يعجبني شعره / راجع كتابي ” قبضة من أثر الأديب ” لمزيد من التفاصيل / ، وقد رثى الدكتور أحمد عبد الرحمن ، أحد قيادات الحركة الإسلامية السودانية ليلة تأبينه قبل عدة أشهر واختار القافية أن تكون حائية ولم ينتبه لسوء اختياره للقافية إذ الأجود أن تكون قافيتها أحد حروف ” يرملون ” لثقلها وأنينها وحزنها التلقائي والله أعلم .

سينما الوطنية وأم درمان

هذا ! كنت أحرص على توفير واحد جنية أقَلَّاها من أكثرها لثلاثة، وفي جمعهم وتوفيرهم عناء لا يوصف ، لأذهب به إلى السينما أول يوم العيد أو ثانيه بسينما الوطنية أو سينما أم درمان، وكنا نتحرى أن يكون الفيلم آكشن غير معاد وحبذا جاكي شان وسامو هونج أو بروسلي، قبل أن تعرف السينما العالمية جيت لي وأصحابه، فنذهب أنا وعبدون ويوسف شَخَتَة وعلي رأفت ورُبَّمَا سامي عبيد ، مما يخفف عليَّ كراهة بداية ليلة العيد حتى اليوم الثاني وفي ذلك رضاء تام واعجاب شديد وارتياح مقبول بلا ريب .

في السينما ، عادة ما اشتري التسالي والفول أثناء مشاهدة الفيلم، بينما الآخرون يشترون التمباك والسجائر ونادراً جداً أن تكون بالجوار زجاجة بزيانوس صغيرة نتقاسمها اثنين اثنين .

خياطة الجلابية والعرَّاقي والسروال

من ضمن الاستعدادات ليوم العيد هو تفصيل جلابية جديدة وطاقية وسروال وعرَّاقي ومركوب أو شبط كيفما اتفق ، ولم تتكرر كثيراً عندي هذه الأحجوة رُبَّمَا مرَّة واحدة فقط ، طالما أنا لا ارغب فيه ولا في ثوبه ولا شكله ، لكن أذكر أن كان الخيَّاط ” الترزي ” ود النسَّاج أو محمد بخاري لا أذكر بالتحديد لكن أظنه محمد بخاري – رحمه الله – يكتظ عنده الزبائن والكل ينتظر بفارغ الصبر أن يستلم جلابيته وعرَّاقيه وسرواله كلهم أو بعضهم حين تُشترى الطاقية من سوق الطواقي بأم درمان قبل فترة طويلة، وأذكر أن كانت لدي جلابية عنده فذهبت إليه عشرات المرَّات لاستلامها قبل الصلاة فلم أفلح مما زهَّدني فيهما معاً لكن استلمتها على مضض وذهبت بها إلى المسجد واحسبها لم تكن جيدة بل كانت قصيرة جداً ولم أشعر بإخلاصه في التخييط بل عجلته لم تمكنه مع كثرة المنتظرين أن يتقن ، وعدت على سلام ولم تتكرر التجربة من بعد حتى اليوم .

الحلَّاقة والزيانة

مما يلاحظ أيضا في كبسيبة – الزحمة الشديدة – العيد هو الحلاَّق ، فتراهم يتزاحمون حوله وجنبه أيُّهم أولاً ، وكان الحلاَّق الوحيد منتصف الثمانينيات هو المرحوم خضر ، وكانت له موس يحدها بجلد البقر المدهون بالزيت أو القطران على شكل حزام أو شريط طويل يعلقه قرب المرآة وكان شديد الحسم والحزم ولا يعرف الهزار إليه سبيلاً وكانت حلاقته لا تعجبني لكني اضطر إليه مرَّات لأنَّه الوحيد في الحي ، وكان محل حلاقته قديم ومتهالك وله مروحة لبنية استاند قديمة بجانب الزبون حين يشتد عليه بالموس ويسيل الدم يوجهها تجاهه.

من مظاهره أيضاً، الألعاب في بيت المال جوار النادي الطوطحانية / المرجيحة / والعجلات وبعض الالعاب النارية وبيع البالونات والاكسسوارات والهدايا والصفارات وغيره ، و رُبَّمَا ركبت الطوطحانية فيصيبني دوار شديد وكانت مطلية بلونين أحدهما أحمر والثاني أصفر وكانت مثبتة جوار النيمة الكبيرة أمام المكوجي ويشرف عليها نزار دوَّاس ، والثانية مثبتة بجوار دكان بكري الزنجي ويشرف عليها هيثم دوَّاس لونها مختلف من الأولى وكانت تذكرتها بخمسين قرش أو عليها تزيد لعدد خمسين دورة ، وقلَّما أقود العجلة أو أركبها لكن كنت أمُرُّ عليهم متفرجاً ولاحقًا كنت أبيع البالونات والهدايا للأطفال يأتي بها حسُّونه / حسن ، جارنا – رحمه الله – من الإمارات تقريباً فنبيعها أنا وسامي ونأخذ عمولتنا وهذا أحب إليَّ من اللهو واللعب .

فيما بعد، تخلصت من الحلَّاق عم خضر وكانت تقوم بالمهمة الوالدة ولاحقاً الأخ العزيز المفضال يوسف مكي شخته ، حتى فترة الجامعة ١٩٩٨ ومن ثم انتقلت للحلاقة خارج بيت المال بحي الشهداء جوار محطة المواصلات العامَّة عند صالون ” مهاري الحبشي ” الذي كان يعمل مع ” المعلم زكي ” أشهر الحلَّاقين بالفندق الكبير بالخرطوم والذي تتلمذ على يديه وترك له الدكان منفردا وكان ماهراً حذقاً يتفنن في الحلاقة ويجدد الموس للقطعية مع رشَّة كولونيا ٥٥٥ السيد علي الميرغني ، على مواضع الموس ، وهو الذي قام بزيانتي يوم عقد قِراني نوفمبر سنة ٢٠٠٠ وما زلت احتفظ له بالصورة التي حلق لي وقتها ، وكنت آتيه بعد انتقالي لمدينة أم دوم بشرق النيل وحتى هجرتي إلى مصر قبل اثنتي عشرة سنة .

الطلاء وما أدراك ما هو

يشمل الاستعداد للعيد طلاء الجدران بالجير الأبيض بإضافة لون أصفر له مع صمغ نحضره من المغلق بسوق أم درمان جوار المحطة الوسطى عند جملة المغالق، أو سوق الشجرة ونضعه على البرميل عدة أيَّام ليختمر الجير ثم نقوم بمعاونة الشباب على الطلاء وكان هذا أكبر الهموم لأنَّ الحوائط عالية للغاية وتوجد ندرة في اقتناء السلم مع حرارة الجو نهاراً وضعف الانارة ليلاً وغالباً ما تطلى الجدران مرتين ليمسك اللون لكن للخريف رأي آخر حيث يزيل وجاهة الطلاء مع بقع المطر مما يضطر معه اعادة الطلاء العيد القادم .

هذا ! في البيت يصاحب الطلاء للجدران ، طلاء الأبواب والشبابيك والسراير الحديد والخشب باللون الأخضر غالباً مع إضافة سِنَر لتتحلل المادة الكيميائية فيه ويسهل عملية السيولة للطلاء ، ومع الليلة الأولى قبل آذان الفجر تكتمل التجهيزات إلَّا قليلاً ، وبعد العصر وقبل دخول المغرب نقوم برش الحوش بالمياه لتثبيت التربة ونفرش الملايات الجديدة إن وجدت وإلَّا فنهتم بالقديم منها ونعالجها فتصبح جميلة جداً مع تجهيز طقم أواني الشاي المُعَدَّة إعداداً جيداً لاستقبال الضيوف بعد المغرب مباشرة وطلوع التلفزيون من الغرفة إلى الحوش ، وكان لدينا تلفزيوناً سادة أبيض وأسود ثم لاحقاً جئنا ببضاعة مزجاة من الملون والسادة لمواكبة التطور والتمدن فتكتمل اللوحة بجلوس الوالدة له وانتظارها المعايدة أو مسلسل اوشين أو رحلة أبي العلاء البشري لمحمود مرسي أيهما كان .

هذا ! يقدم للضيوف ما يعرف بالشيَّالة وهي إناء متعدد الطوابق أو الدرجات من ثلاثة إلى خمسة بالكثير، مصنوع إمَّا من الزجاج أو المعادن ، يشمل الطبق حلاوة كرم الله أو حلاوة نعناع أو حلاوة بقر أو قِزْقِزْ أو لكُّوم أو حلويات سعد ، وأخذت الأخيرة شهرة واسعة في الثقافة السودانية آنذاك لجودتها ، ثم يوضع أيضاً الخبيز أو المخبوزات سواء البسكويت أو الكحك المُحَلَّى بالسُكَّر المسحون المجلوب والمخَزَّن في جرادل الطلس أعلى الفضية ، والفضية دولاب توضع عليه الأواني المنزلية الزجاجية يغلب عليه الزجاج من جوانبه أو بابه ، ولا يقدم هذا الكحك الناعم المحلى بالسكر المسحون إلا للضيوف المهمين ، وعلى طبق أعلى منه بالشيالة يوضع التمر و رُبَّمَا وضع عليه قليل من جوز الهند لإضفاء نكهة وشكل جديدين ، وفي درجة أيضاً يوضع المِنْيِن وهو عجوة البلح الناشف قوية ومتماسكة بعض الشيء وتخزن الزمن الطويل في جرادل الطلس الملونة بالألوان الزاهية أو الحِلل الكبيرة بعيداً عن متناول اليد أعلى دولاب العِدَّة أو دولاب الفِضِيِّة ، ثم يقدم مشروب الكركدي البارد أو عصير روزانا المعبأ في أواني بلاستيكية مع طقم كبابي فاخر وملون ومزركش ، ومرَّات يكون المشروب من عصير الليمون الطازج المعصور باليد وعليه مكسرات ثلج صغيرة للتبريد، قال المجذوب :

ومن يرم مودتنا فنحن * ليمون وماء وثلج وسكر

وهذا قمة إكرام الضيف كما ترى ، لكن اليوم دخلت الخلاطات الكهربائية ذات الماركات العالمية لخلط الليمون وباعدت بيننا وبين حلاوة قول المجذوب كما ترى .

من جانب آخر ، رُبَّمَا صاحب تغيير في وضعية أسِرَّة الغُرَف أو الجلوس أو تحريك الدواليب من مكانها لأخذ شكل جديد على البيت بالعموم والغرف بالخصوص ، مع رائحة البخور المعَتَّق المستجلب من عُطَارَةِ التيمان بسوق أم درمان مع اللبان الضَكَر خشية العين وكرات صغيرة من أنواع البخور ذات لون أحمر وأسود، ورُبَّمَا شاب المنزل رائحة الند المعطر أو الشاف الشجري قبل أن تحل محلها البرفانات والمعطرات الحديثة، ولنا ولع في تنظيف وتنظيم الازيار بالتلميع بمسحوق الطوب المحروق وإزالة عوالق الطحالب ليعطي نداوة أكثر، وكان في القديم يستعمل استعمالاً أساسياً للشرب قبل دخول الثلاجات الكهربائية الحديثة وغزوها المنازل وتنتصر الحداثة على الموروث والله على كل شيء قدير.

نهاية العيد

يمكنك أن تجد عدم ترتيب أيها القارئ الكريم للأحداث لكن كلٌ حسب ذاكرته وعيده وما يراه مناسباً حسب الأسبقية الزمنية للحدث عنده ، فهذا ما علق بالذاكرة أردته تراثاً شعبوياً للأجيال القادمة التي أدمنت اليوم الاطلاع على الانترنت والفيس بوم والواتساب وهلم جرا ، ورغم العنت فيه والضغط النفسي إلَّا أنه يظل أحد تجلياتنا الاجتماعية السودانية لن تبارح الذاكرة ، ورحم الله من ذكرتهم أحياء وأمواتاً ، وكل عام وانتم بخير .

 

 

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى