الأعمدة

المراسم وتعزيز صورة الدولة د. ناجي علي بشير

المراسم وتعزيز صورة الدولة

د. ناجي علي بشير

من المعروف أن المراسم الرسمية للدول تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز صورتها الذهنية وترسيخ مكانتها في المحافل الإقليمية والدولية، فهي ليست مجرد إجراءات شكلية أو ترتيبات تنظيمية، وإنما تمثل أحد أوجه هيبة الدولة ومظهرًا من مظاهر احترامها لنفسها وللآخرين، وذلك من خلال الالتزام بقواعد البروتوكول والأعراف الدبلوماسية والنظم المرعية في العلاقات الدولية.

 

وقد عرفت الدولة السودانية، منذ ستينيات القرن الماضي، تقاليد راسخة في العمل المراسمـي، حيث برز الاهتمام بتنظيم شؤون المراسم والبروتوكول، ووضع القواعد الخاصة بالأسبقيات، والإعداد للمؤتمرات والاجتماعات على مستوى رؤساء الدول والحكومات، إلى جانب تنظيم الاحتفالات القومية والرسمية، والزيارات الرئاسية الداخلية والخارجية، ومراسم الاستقبال والتوديع والمقابلات الرسمية، وفقًا للأعراف والتقاليد الدبلوماسية المتعارف عليها دوليًا.

 

ولذلك، فإن إدارة مراسم الدولة تمثل مرآة تعكس مستوى تطور العمل المؤسسي ومدى انضباط أجهزة الدولة وكفاءتها في أداء مهامها. فأي خلل في هذا الجانب لا يقتصر أثره على الجانب التنظيمي، بل قد يمتد إلى صورة الدولة ومكانتها وعلاقاتها الخارجية، خاصة عندما يتعلق الأمر بزيارات الرؤساء والملوك وكبار المسؤولين.

 

وقد تجلت كفاءة المراسم السودانية في عدد من المحطات التاريخية المهمة، ومن أبرزها قمة الخرطوم العربية في أغسطس 1967، المعروفة بقمة اللاءات الثلاث، والتي استضافت القادة العرب في أعقاب حرب يونيو 1967، وأصبحت واحدة من أبرز المحطات في تاريخ العمل العربي المشترك. وقد كان نجاح السودان في استضافة هذا الحدث الكبير وتنظيمه محل تقدير واهتمام، وعكس قدرته على إدارة المناسبات السياسية والدبلوماسية الكبرى.

 

كما برزت هذه الكفاءة في تنظيم المؤتمرات والقمم العربية والإفريقية، وغيرها من الفعاليات الدولية التي استضافتها الخرطوم، وشارك فيها عدد كبير من رؤساء الدول والحكومات، الأمر الذي عزز مكانة السودان بوصفه دولة قادرة على استضافة وإدارة الأحداث الدولية الكبرى.

 

واستمر هذا التميز في مراحل لاحقة، ومن الشواهد على ذلك زيارة الرئيس الصيني هو جينتاو إلى السودان في فبراير 2007، حيث حظيت الزيارة باهتمام رسمي ودبلوماسي واسع، وشكلت إحدى المحطات المهمة في مسار العلاقات السودانية الصينية.

 

غير أن المؤسف أن إدارة مراسم الدولة تعرضت، في السنوات الأخيرة، لتغييرات مؤسسية وإدارية أضعفت دورها، حيث جرى، وفقًا لما يردده العاملون والمهتمون بهذا المجال، تجريدها من جانب كبير من اختصاصاتها في عام 2018، وتوزيع مهامها على إدارات أخرى، فضلًا عن نقل عدد من كوادرها وخبراتها المتخصصة.

 

وقد انعكس ذلك سلبًا على وحدة العمل المراسمـي وتكامله، وأفقد الدولة قدرًا من الخبرات التراكمية التي لا تُكتسب بين يوم وليلة، وإنما تُبنى عبر سنوات طويلة من الممارسة والتدريب والاحتكاك بالعمل الدبلوماسي والرئاسي. كما أن تعدد الجهات وتداخل الاختصاصات قد يفتحان الباب أمام أخطاء تنظيمية لا تليق بمستوى المؤسسة الرئاسية ومكانة الدولة.

 

إن المراسم ليست إدارة هامشية يمكن الاستغناء عن دورها أو توزيع اختصاصاتها دون دراسة، بل هي مؤسسة متخصصة تتطلب معرفة دقيقة بالبروتوكول الدولي، والأسبقيات، والأعراف الدبلوماسية، والقدرة على التنسيق المحكم بين مختلف أجهزة الدولة.

 

ومن هنا، فإن الدعوة إلى إعادة الاعتبار لإدارة مراسم الدولة ليست حنينًا إلى الماضي بقدر ما هي مطالبة بإصلاح مؤسسي يستند إلى الخبرة والتخصص، ويستعيد ما تراكم من تقاليد مهنية راسخة، مع تطوير الأداء بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة.

 

إننا نطلق هذه الدعوة بوضوح: ارفعوا أيديكم عن المراسم، وأعيدوا لهذه الإدارة اختصاصاتها ومكانتها، واستفيدوا من خبرات أبنائها الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمة العمل الرئاسي، وأسهموا في إرساء قواعد المراسم والبروتوكول في السودان.

 

وفي هذا السياق، لا بد من استحضار أسماء عدد من الرواد الذين تركوا بصماتهم في هذا المجال، وفي مقدمتهم إبراهيم جبريل، وأحمد حسن مطر، وعز الدين خاطر، ونديم عدوي، والشاذلي الريح السنهوري، وعبد الله الشيخ، وغيرهم من رجال المراسم الذين أسهموا بجهدهم وخبرتهم في بناء هذا الصرح المهني، وأرسوا تقاليد تستحق أن تُحفظ وتُصان، وأن تنتقل إلى الأجيال الجديدة.

 

فالدول لا تصنع هيبتها بالشعارات وحدها، وإنما بمؤسساتها وكفاءات أبنائها واحترامها لقواعد العمل والانضباط. والمراسم، في نهاية المطاف، ليست مجرد تفاصيل بروتوكولية، بل عنوان من عناوين الدولة وصورتها أمام العالم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى