
المعاشيون أمانة في عنق الحاكم.. فمن يحفظ حقوقهم؟ إخلاص محمدابراهيم أبكر نقطة سطر جديد
المعاشيون أمانة في عنق الحاكم.. فمن يحفظ حقوقهم؟
إخلاص محمدابراهيم أبكر
نقطة سطر جديد.
عندما نتحدث عن المعاشيين، فإننا نتحدث عن أناس أفنوا سنوات من أعمارهم في خدمة الدولة والوطن، وأدوا واجبهم الوظيفي حتى بلغوا سن المعاش، ثم أصبحوا يعتمدون على معاش هو حق لهم، وليس منحة أو صدقة من أحد.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السودان: هل يحصل المعاشيون على حقوقهم في الوقت المناسب؟ وهل وضعت الدولة أوضاعهم في مقدمة أولوياتها؟
هناك معاشيون انتهت خدمتهم خلال أعوام ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ و٢٠٢٥، ولم تتم حتى اليوم تسوية استحقاقاتهم بصورة كاملة، وهناك من ينتظرون معاشاتهم التي قد تتأخر شهرين أو أكثر، رغم أن المعاش بالنسبة لكثير منهم هو مصدر الدخل الوحيد.
هؤلاء ليسوا أرقامًا في دفاتر الدولة، وإنما آباء وأمهات وكبار سن، بعضهم لا عائل له سوى معاشه. ومبلغ المعاش الذي قد لا يكفي احتياجات أسبوع أو أسبوعين، يصبح في ظل ارتفاع أسعار الغذاء والدواء وتكاليف المعيشة عبئًا بالغًا على صاحبه.
والأصعب من ذلك أن بعض المعاشيين لا يستطيعون العمل مرة أخرى، ليس لأنهم لا يريدون العمل، وإنما لأنهم بلغوا السن التي أفنوا فيها عمرهم في خدمة الدولة، ومن حقهم بعد ذلك أن يعيشوا ما تبقى من حياتهم بكرامة.
الحاكم مسؤول عن رعيته
الإسلام لم يجعل الحكم امتيازًا، وإنما جعله أمانة ومسؤولية.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
وهذا الحديث يضع قاعدة عظيمة في مسؤولية الحاكم تجاه الناس؛ فكل مواطن داخل في هذه الرعاية، ومن بينهم المعاشيون الذين خدموا الدولة سنوات طويلة.
والحاكم لا يُسأل فقط عن الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية الكبرى، وإنما يُسأل أيضًا عن الضعيف الذي ينتظر معاشه، والمريض الذي ينتظر دواءه، وكبير السن الذي لا يملك مصدر دخل آخر.
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
[النساء: ٥٨].والمعاش حق من حقوق صاحبه، ولذلك فإن إيصال هذا الحق إلى مستحقه في موعده يدخل في صميم الأمانة والعدل.
المعاش ليس مِنّة
يجب أن نغيّر نظرتنا إلى المعاشي.
فالمعاشي لم يأتِ ليطلب صدقة، ولم يمد يده طالبًا إحسانًا؛ لقد دفع سنوات عمره ثمنًا لهذا الحق، وخدم مؤسسات الدولة، ثم وصل إلى نهاية خدمته وفق القانون.
فإذا كان الموظف قد أدى واجبه، فإن واجب الدولة أن تؤدي ما عليها.
ومن غير المقبول أن ينتظر إنسان معاشه شهرين أو ثلاثة، بينما هو يحتاج إلى الطعام والدواء والعلاج والإيجار.
والسؤال هنا ليس فقط: لماذا تأخر المعاش؟
بل السؤال الأهم:
كيف يعيش المعاشي حتى يصل معاشه؟
إن تأخير معاش شخص كبير في السن قد يعني تأخير دوائه، أو طعامه، أو إيجاره، أو احتياجات أسرته الأساسية.
الحرب ليست مبررًا لنسيان المعاشيين
نحن نعلم أن الحرب أرهقت الدولة وأثقلت كاهل الاقتصاد، وأن السودان يمر بظروف استثنائية، لكن الظروف الاستثنائية يجب ألا تجعل الفئات الأضعف تدفع الثمن وحدها.
بل إن الحرب تجعل مسؤولية الدولة تجاه المعاشيين أكبر وأشد إلحاحًا.
فالمواطن الذي كان لديه راتب يستطيع أن يبحث عن مصدر دخل إضافي، أما المعاشي الذي بلغ سن التقاعد، فقد لا يملك القدرة على العمل من جديد.
وهناك من يعيش وحده، وهناك من يعول أسرة، وهناك من يحتاج إلى علاج دائم، وهناك من فقد مصدر الدعم بسبب الحرب والنزوح.
رسالة إلى القيادة والمسؤولين
من هنا، أوجه رسالتي إلى السيد الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وإلى المسؤولين عن الرعاية الاجتماعية والمعاشات والمالية والخدمة المدنية:
ضعوا ملف المعاشيين على طاولة الأولويات.
راجعوا أوضاع من انتهت خدمتهم خلال أعوام ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ و٢٠٢٥ ولم تتم تسوية استحقاقاتهم.
أعيدوا النظر في المعاشات المتأخرة، واعملوا على ضمان انتظام صرفها، وسددوا الفوارق المستحقة لأصحابها.
لا تجعلوا المعاشي يطوف بين المكاتب بحثًا عن حقه، ولا تجعلوا الإجراءات الإدارية سببًا في معاناة إنسان أفنى عمره في خدمة بلده.
إن الدولة القوية ليست التي تستطيع أن تحاسب موظفيها فقط، وإنما التي تحفظ حقوقهم عندما تنتهي خدمتهم.
كلمة أخيرة
أيها المسؤولون، تذكروا أن الإنسان الذي يقف اليوم أمامكم طالبًا معاشه، ربما كان بالأمس موظفًا يؤدي واجبه في إحدى مؤسسات الدولة.
وتذكروا أن المناصب لا تدوم، وأن السلطة لا تدوم، وأن الإنسان مهما طال به العمر سيصل إلى مرحلة يحتاج فيها إلى من يحفظ كرامته.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
[الشعراء: ١٨٣].فلا تبخسوا المعاشيين حقوقهم.
المعاش ليس منحة، والمعاشي ليس عبئًا، وحقوق كبار السن ليست ملفًا ثانويًا يمكن تأجيله.
إنها أمانة في أعناق المسؤولين، وحق يجب أن يصل إلى صاحبه في موعده، وبالقدر الذي يكفل له حياة كريمة.
فمن أفنى عمره في خدمة الوطن، أليس من حقه أن يجد الوطن إلى جواره عندما يحتاج إليه؟
إخلاص محمدابراهيم أبكر
#المعاشيون
#حقوق_المعاشيين
#المعاش_حق_وليس_منحة
#السودان
#العدالة_الاجتماعية
#كرامة_المعاشي
#الرعاية_الاجتماعية
#حقوق_المواطنين
استعمل هذا الرابط للانضمام إلى مجموعتي في واتساب: https://chat.whatsapp.com/CZ3lyQpKDVqFDNTmsEwAAn?s=sh&p=a&mlu=4