
بشارة جمعة أرور انهيار الدولة وتعثر التسوية السياسية سيناريوهات التقسيم خلف الكواليس
بشارة جمعة أرور
انهيار الدولة وتعثر التسوية السياسية
سيناريوهات التقسيم خلف الكواليس
” أمام تعثر التسوية السياسية وتنامي مظاهر التفكك الوظيفي للدولة، تتبلور أمام السودان جملة من السيناريوهات المستقبلية التي تتراوح بين استمرار تعدد مراكز القوة أو إعادة تشكيل بنية الدولة على أسس لا مركزية أو التدرج نحو انقسامات واقعية وصولاً إلى احتمال إعادة التأسيس الوطني بوصفه مخرجاً نهائياً وفي هذا الإطار لم تعد سيناريوهات (( التقسيم خلف الكواليس )) مجرد فرضيات تحليلية بل باتت تُناقش وتُتداول باعتبارها اتجاهات وتقديرات سياسية لدى بعض الفاعلين في المحيطين الإقليمي والدولي في سياق إقليمي ودولي يتسم بإعادة تشكل عميقة لموازين القوة وبدرجة عالية من التعقيدات والتشابك في أنماط التأثير وإعادة التموضع.”
ستواجه البلاد لحظات تحول حادة تُعد من أخطر المنعطفات في تاريخها الحديث ولا يمكن احتواء تداعياتها بإجراءات إسعافية أو تفاهمات سياسية جزئية إذ تضع الدولة أمام اختبار وجودي يكشف هشاشتها وحدود قدرتها على البقاء.
والسودان اليوم يقف عند هذا المنعطف التاريخي حيث لم تعد الأزمة مجرد حرب أو صراع على السلطة بل تحولت إلى حالة ممتدة من التفكك الوظيفي الذي طال مؤسسات الدولة وحدودها السياسية واقتصادها وحتى مفهوم الدولة الوطنية الموحدة.
إن ما يجري في هذه المرحلة لا يمكن قراءته بوصفه مجرد صراع عسكري بل هو في جوهره انتقال تدريجي من نموذج الدولة المركزية إلى حالة من التعدد القسري لمراكز القوة فالمشهد الميداني وفق المعطيات يشير إلى وجود نمط متزايد من “تعدد مراكز السيطرة” حيث تباين مستويات النفوذ في دارفور وكردفان وأجزاء واسعة من البلاد يعكس وجود سلطات أمر واقع تدير الأمن والموارد والمعابر وتفرض منطقها الخاص بعيداً عن مركز الدولة التقليدي.
وهذا التحول لا يعني بالضرورة إعلان تقسيم رسمي لكنه يشير إلى ما يمكن تسميته بالتفكك الوظيفي للدولة حيث تفقد المؤسسات المركزية قدرتها على الاحتكار الحصري للعنف المشروع وعلى إدارة الاقتصاد وعلى فرض سياسات موحدة على الإقليم الوطني.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن الانهيار الاقتصادي الحاد الذي رافق الصراع فاقتصاد الدولة الذي كان يعاني أصلاً من اختلالات هيكلية وجد نفسه في قلب حرب شاملة أدت إلى تعطيل الإنتاج وتدمير سلاسل الإمداد وانهيار العملة إلى مستويات غير مسبوقة وفي ظل غياب الاستقرار الأمني تتحول الموارد إلى أدوات تمويل للصراع بدل أن تكون أدوات تنمية وتتحول الأسواق إلى فضاءات موازية تُدار خارج منطق الدولة…
وفي موازاة ذلك، تتفاقم الكارثة الإنسانية بصورة غير مسبوقة حيث تجاوزت أعداد النازحين والمشردين داخليًا مستويات تعكس عمق الانهيار الاجتماعي الذي طال المجتمعات المحلية فالنزوح الجماعي لا يعني مجرد انتقال جغرافي بل يعني تفكك الروابط الاجتماعية وإعادة تشكيلها في بيئات قسرية وهشة ومع استمرار النزاع تتآكل الثقة بين المكونات الاجتماعية ويضعف الإحساس المشترك بالانتماء الوطني وهو ما يشكل أحد أخطر تداعيات الحروب الممتدة على تماسك الدول.
ورغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، فإن مسار التسويات السياسية ظل متعثراً نتيجة لغياب أرضية توافقية وتضارب مصالح القوى والمحاور الإقليمية والدولية لذلك يُلاحظ أن معظم المبادرات لم تنجح في تحقيق وقف إطلاق النار ثم الانتقال إلى عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية لعدم وجود آلية تنفيذ ملزمة بسبب تباينات الرؤى وتعدد أجندات الفاعلين…، وهكذا يصبح السلام مساراً مؤجلاً بينما تظل آمال إنهاء الحرب رهينة لتوافق لم ينضج بعد.
وعليه يمكن قراءة مستقبل السودان أمام هذا الواقع عبر عدة مسارات وسيناريوهات محتملة لا باعتبارها حتميات بل باعتبارها اتجاهات مفتوحة على تطورات الصراع. يتمثل أولها في سيناريو التفكك الطويل على النمط الليبي حيث يستمر تعدد مراكز القوة وغياب السلطة المركزية الفاعلة وهذا الوضع سيضعف مفهوم الدولة الموحدة ويعزز ظهور كيانات أمر واقع مما يخلق حالة ” سيولة سيادية داخل الوطن ” ويتحول البلد إلى جغرافيا متنازع عليها تُدار عبر سلطات محلية واقتصاد حرب ممتد ويتمثل الثاني في سيناريو الفدرالية القسرية حيث يعاد تشكيل الدولة على أسس لا مركزية واسعة تمنح الأقاليم سلطات كبيرة مع بقاء الكيان الوطني موحداً شكلياً كحل وسط بين الواقع العسكري والسياسي أما الثالث فهو سيناريو التقسيم التدريجي الذي قد لا يُعلن في بدايته لكنه يتشكل إذا استمرت حالة الانفصال الواقعي دون تسوية شاملة مما يؤدي إلى نشوء كيانات سياسية منفصلة فعلياً قبل الاعتراف بها رسمياً ويظل السيناريو الرابع هو إعادة التأسيس الوطني وهو الأكثر صعوبة لكنه الأكثر جذرية ويقوم على تسوية شاملة تعيد بناء الدولة من أساسها عبر عقد سياسي جديد وإصلاح مؤسساتي عميق وإعادة دمج جميع القوى المسلحة في إطار دولة واحدة.
إن جوهر الأزمة السودانية لا يتجلى فقط في الحرب الجارية وإنما في شكل الدولة ومستقبلها فأي دولة يراد بناؤها في السودان: دولة مركزية قوية أم دولة لا مركزية واسعة، أم كيان يعاد تعريفه من جديد؟ ما لم تتم الإجابة عن هذا السؤال بصورة واضحة فإن كل الحلول ستظل مؤقتة وكل التسويات ستبقى قابلة للانهيار لأن الصراع في جوهره لم يعد على السلطة فقط بل على طبيعة الدولة ذاتها ومعنى وجودها ومستقبلها…إلخ
ختاماً نريد أن نؤكد الآتي : السودان يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة لبنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية حيث تتداخل الحرب مع انهيار الدولة الوطنية كمرجعية مركزية وتعثر التسوية السياسية وفي ظل غياب أفق انتخابي أو اتفاق وطني شامل تبقى المرحلة مفتوحة على عدة احتمالات، أبرزها استمرار التشظي أو إعادة بناء الدولة على أسس جديدة أكثر لامركزية.