الأعمدة

بقلم دكتور ياسر أحمد إبراهيم ذكريات الزمن الجميل الإسكندرية والدكتور طه بعشر… حين كان اتحاد الطلاب بيتاً للوطن

بقلم دكتور ياسر أحمد إبراهيم

ذكريات الزمن الجميل

الإسكندرية والدكتور طه بعشر… حين كان اتحاد الطلاب بيتاً للوطن

في ذاكرة الأيام الجميلة، تبقى بعض الشخصيات علامات مضيئة لا يمحوها الزمن، ليس فقط لما قدمته من علم وخبرة، بل لما اتسمت به من تواضع وإنسانية وكرم في التعامل. ومن أبرز تلك الشخصيات التي تشرفت بالتعرف عليها في مدينة الإسكندرية، العالم الجليل البروفيسور الدكتور طه بعشر خليفة، أحد أعلام الطب النفسي في السودان، وخليفة مدرسة الدكتور التجاني الماحي، رائد الطب النفسي السوداني، الرجل الموسوعة الذي جمع بين الطب والتاريخ والفلك، وكان عضواً في أول مجلس سيادة بعد استقلال السودان.

كان البروفيسور طه بعشر يعمل مستشاراً لمنظمة الصحة العالمية في إقليم شرق المتوسط، وكان مقر عمله بالإسكندرية، في قصر يطل على البحر، بالقرب من كلية الطب. ومن المفارقات التي تستحق الذكر أنه تولى أيضاً منصب وزير العمل في أول حكومة أعقبت انقلاب مايو عام 1969.

كنت أحرص على زيارته من وقت إلى آخر، وأدعوه للمشاركة في أنشطة اتحاد الطلاب السودانيين، إيماناً منا بأهمية ربط الطلاب بالعلماء والخبرات الوطنية، والاستفادة من تجاربهم في بناء الشخصية وخدمة المجتمع.

وفي إحدى تلك الزيارات، طلبت منه إعداد دراسة اجتماعية ونفسية عن بعض المشكلات التي واجهت الطلاب، فقد لاحظنا وجود حالات احتاجت إلى العلاج والرعاية النفسية، وانتهى الأمر ببعض أصحابها إلى الانقطاع عن الدراسة. كنا ندرك أن الطالب لا يحتاج إلى العلم وحده، بل يحتاج كذلك إلى من يفهم ظروفه النفسية والاجتماعية، ويأخذ بيده حتى يتجاوز أزماته ويواصل مسيرته.

وكانت ترافقه في تلك الفترة زوجته الدكتورة سيدة بشار، التي كانت تدرس الدكتوراه في طب الأطفال بجامعة الإسكندرية، وأصبحت لاحقاً وزيرة دولة بوزارة الرعاية الاجتماعية في عهد الإنقاذ.

مواقف لا تُنسى من حياة الطلاب

وبمناسبة الحديث عن الطب النفسي، تستدعي الذاكرة بعض المواقف التي عشناها في تلك الأيام، والتي كانت تكشف لنا، على نحو عملي، مدى صعوبة التعامل مع بعض الحالات النفسية، وحاجتها إلى الوعي والتدريب والإشراف المتخصص.

أذكر أن السكرتير الاجتماعي في إحدى دورات الاتحاد اصطحب طالباً إلى عيادة أحد الاستشاريين. وأثناء الزيارة، رُفع أذان الصلاة، ترك المريض في مكانه، وذهب لأداء الصلاة. وفي غفلة من الجميع، تحرك المريض مسرعاً وقفز من شرفة العيادة بالطابق الثالث، وفارق الحياة في الحال، رحمه الله.

كانت صدمة قاسية، تركت أثراً عميقاً في نفوسنا، حتى إن صاحبنا السكرتير الاجتماعي ظل يذكر الحادثة طويلاً، وكأنها تركت في رأسه من الشيب ما لم تتركه سنوات العمر.

وفي موقف آخر، حاول عضوان من الاتحاد، برفقة أحد المرضى، إقناعه بالتوجه إلى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية بسموحة لتلقي العلاج. وعندما أوقفوا سيارة أجرة وحاولوا مساعدته على ركوبها، أخذ يصيح بأعلى صوته بأنه مخطوف!

وكانت المفاجأة أنهم كانوا بالقرب من مقهى يعج بالناس، فاندفع بعض الموجودين لنجدته، وانقضوا على رفاقه بالضرب والركل، قبل أن يدركوا حقيقة الموقف. فما كان من صاحبينا إلا أن يطلقا ساقيهما للريح، ويغادرا المكان في مشهد لا يزال حاضراً في الذاكرة، على الرغم من مرور السنين!

كانت مواقف طريفة في ظاهرها، لكنها حملت لنا دروساً مهمة في التعامل مع المرض النفسي، وأكدت أن النوايا الطيبة وحدها لا تكفي، وأن مثل هذه الحالات تحتاج إلى معرفة متخصصة وإجراءات آمنة تحفظ كرامة المريض وسلامة الجميع.

حين كان الاتحاد بيتاً كبيراً

وعلى الرغم من صعوبة بعض تلك المواقف، فإنها تظل جزءاً من ذكريات مرحلة جميلة، كانت تسودها روح التكافل والتراحم، ويتقدم فيها الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين على كل اعتبار.

كان اتحاد الطلاب السودانيين بالإسكندرية أكثر من مجرد كيان طلابي؛ كان بيتاً كبيراً يحتضن الطلاب والطالبات، ويقف إلى جانبهم في أفراحهم وأحزانهم، ويبحث عن حلول لمشكلاتهم الدراسية والاجتماعية والصحية، مستعيناً بكل صاحب علم وخبرة، ومؤمناً بأن خدمة الناس رسالة قبل أن تكون منصباً أو تكليفاً.

وفي تلك الأيام، كنا نرى بأعيننا كيف يمكن للمبادرات البسيطة، والقلوب المفتوحة، والتواصل مع أهل العلم والخبرة، أن تصنع فارقاً حقيقياً في حياة الناس.

وما أحوجنا اليوم إلى استعادة تلك الروح، روح المبادرة والتراحم والتكافل، وأن نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم، في معنى الحديث، أن لله عباداً اختصهم بقضاء حوائج الناس، وحبب إليهم الخير، وحبب الخير إليهم، أولئك هم الآمنون من عذاب يوم القيامة.

رحم الله أيام الإسكندرية الجميلة، وحفظ العلماء الذين تعلمنا منهم، والرفاق الذين تقاسمنا معهم هموم الغربة وأفراحها، وجعل ما قدمناه من جهد في خدمة الطلاب في ميزان حسناتنا.

فقد كانت تلك أياماً لم يكن فيها الاتحاد مجرد مكتب أو لافتة، بل كان بيتاً للوطن، ومدرسةً للأخوة، ومساحةً يتعلم فيها الشباب أن قيمة الإنسان الحقيقية فيما يقدمه للآخرين.

وللذكريات بقية…. دكتور ياسر احمد ابراهيم

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى