الأعمدة

بوسع الحكومة لجم الدولار ولكن د. محمد عبد القادر سبيل

بوسع الحكومة لجم الدولار ولكن

د. محمد عبد القادر سبيل

بدون أية مقدمات مطولة أو استعراض للمصطلحات الاقتصادية، نقول فوراً: إذا شاءت الحكومة ان تكبح جموح الدولار بل وتخفضه سعره بصورة مذهلة وفي وقت قصير، فإن ذلك الحل متاح وميسور ولكنها تتهرب منه باستمرار.

أما لماذا تتهرب فربما لأنها واقعة تحت ضغط ونفوذ كبار التجار والمصدرين الذين يعرفون من أين تؤكل الكتف.

 

لا تقل لي: لماذا تستسلم الحكومة لهم كل مرة والأمر يتعلق بمصير شعب كامل ودولة، يكونان أو لا يكونان، فأنا لا اعرف لماذا. ولكنني استغرب بشدة.

 

ولكن دعني أقل مباشرة ماهو هذا الحل الميسور ذو المفعول المضمون والذي ينقذ الجنيه فوراً من طغيان وتجبر الدولار وقد اشرف اليوم على السبعة آلاف وما يزال الحبل على الجرار؟.

 

الحل هو احتكار الدولة لتصدير الذهب.

هذا كل شيء.

يمنع جميع التجار من تصدير أوقية ذهب واحدة ولو بحجة الصياغة والنقش وغيرها من الحيل.

قولاً واحداً: حكومة السودان وحدها هي التي تشتري الذهب من مواقع الانتاج مباشرة، وتقوم بتنقيته ما استطاعت، ثم تصدره.

 

ولكن تصدره الى اين وأمريكا يترصدنا بالعقوبات؟

تصدره إلى الدولة الشجاعة مثل: روسيا والصين وكوريا الشمالية وتركيا وايران وغيرها من الدول الخليجية التي تتعاون مع السودان دون وجل من القهر الامبريالي.

فليس أمراً معجزاً أن توقع حكومتنا بروتوكولات بهذا الخصوص مع كل تلك الدول الحرة وقسمة صادراتنا هذه فيما بينها وهي في مجملها تبلغ 100 طن سنوياً بقيمة تتجاوز العشرة مليار دولار .

قد يتطلب الامر الاستعانة بخبرات اجنبية لضمان الكفاءة والى تعزيز الملحقيات الاقتصادية داخل سفاراتنا في تلكم الدول وهذا ليس مهمة صعبة.

 

هذه البروتوكولات التي نعنيها تشتمل على تبادل تجاري متكافئ مع هاتيك الدول بحيث نستهلك قيمة صادراتنا الذهبية اليها بقيمة وارداتنا منها والتي تتضمن السلع الاستراتيجية: الوقود بأنواعه والقمح ومدخلات الانتاج الزراعي والصناعي والادوية والسلاح واحتياجات الحكومة من المعدات والآليات والاجهزة وقطع الغيار والخدمات والمقاولات.

 

على فكرة، لقد اقترحنا من قبل مراراً أن تنشأ مؤسسة حكومية صرفاً للتجارة السيادية تتولى ادارة تصدير السلع النقدية الست: الذهب والصمغ العربي والحبوب الزيتية والمنتجات الحيوانية والقطن والذرة. وتقوم مقابل ذلك باستيراد السلع الاستراتيجية المذكورة آنفاً. ولكن لم تستجب الحكومات الفائتة شيئاً، وسنظل ننادي ونلح عليها إلى أن يقيض الله لنا حكاما أقوياء يفتح الله بصيرتهم لفعل ما واضح النتائج كالشمس وينتصر للحق والشعب والوطن، لا ما يرضي الرأسمالية الطفيلية التي تخدرهم ببعض التبرعات المؤقتة.

إن تصدير الذهب بواسطة الدولة وحدها يعني سحب قيمة هذا الذهب المصدر (١٠ مليار دولار سنويا) من يد التجار الذين كانوا دائما يستوردون بها ما ليس ضروريا ويهربون بها الى الخارج او يضاربون بها في السوق الاسود فيرفعوا قيمة الدولار بلا نهاية.

كما ان وضع يد الحكومة على هذا المبلغ الضخم سيمكنها من استيراد حاجياتها من الاجهزة وقطع الغيار ويمكنها من اقامة المشاريع التنموية التي تسند الى شركات تلك الدول المتعاقد معها ذاتها.

اضف الى ذلك فإن توفير تمويل استيراد تلك السلع الاستراتيجية عبر الحكومة سيجعل سوق العملة الموازي بائرا حيث لا طلب كبيراً على الدولار من اجل استيراد السلع المهمة بعد اليوم. وهكذا ينخفض سعر الدولار لأن المضاربين سيتخلصون منه بأي سعر بعد زوال الطلب عليه.. وهكذا لا يجد المغتربون بداً أو خياراً أفضل من التحويل عبر الجهاز المصرفي وحينئذ سنقول: فرجت وازهرت ولله الحمد.

 

سيحتج المخذلون بحجة ان هذه السياسة ستشجع على التهريب. وإزاء ذلك نقول إن تعديل التشريعات وزيادة صرامتها حتى الإعدام، سيكون خياراً لائقاً، كما ان منح القوات النظامية حوافز تصل الى تمليكهم كل قيمة الذهب المقبوض في حالة تهريب سيكون له مفعول السحر في الردع الفوري، بينما لن تخسر الحكومة شيئاً، خاصة اذا تم تسليم فريق تنفيذ القبض قيمة كل المقبوضات خلال مدة لا تتجاوز الاسبوع، عبر محاكم طوارئ مستعجلة( عدالة ناجزة).

 

ولكن هل تمتلك الحكومة الارادة الكافية لوقف جشع مصدري الذهب عند حدهم فلا يواصلوا سياسة التخدير والتخويف؟ الله اعلم.

 

د. محمد عبد القادر سبيل

خبير إداري ومحلل اقتصادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى