
بين صوت الذات ونداء الوطن
سلسلة مقالات
وهج الضمير
من القلب إلى الوطن
أحلام محمد إبراهيم نصر تكتب_
مقال رقم (١)
في اللحظات المفصلية من عمر الأوطان، لا يكون الصراع الحقيقي بين قوى متقابلة فحسب، بل يتجلى في أعماق النفوس: بين صوت الذات الذي يلحّ بالمكاسب الضيقة، ونداء الوطن الذي يستدعي التضحية والتجرد. هناك، في تلك المسافة الدقيقة، يتحدد مصير الشعوب؛ إما أن ترتقي إلى مقام الأمة، أو تنكفئ إلى دوائر التنازع والانقسام.
إن أخطر ما يهدد الأوطان في أزمنة الأزمات ليس اختلاف الرؤى، فذلك أمر طبيعي وصحي، بل تحوّل هذا الاختلاف إلى تمترس حول الذات، وإلى تغليب للمصالح الفردية أو الحزبية على حساب المصلحة الوطنية العليا. حينها يفقد الحوار معناه، وتضيع البوصلة، ويصبح الوطن مجرد ساحة لتصفية الحسابات، لا بيتًا جامعًا يحتضن الجميع.
إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى مراجعة صادقة مع النفس؛ مراجعة تتجاوز تبرير الأخطاء إلى الاعتراف بها، وتتخطى لغة الاتهام إلى لغة المسؤولية. فالوطن لا يبنى بمنطق “من الغالب ومن المغلوب”، بل بروح “من يتحمل أكثر ليحفظ الجميع”.
توحيد الجبهة الداخلية ليس شعارًا يُرفع، بل مسارًا يتطلب إرادة سياسية وأخلاقية، ويستند إلى ثلاث ركائز لا غنى عنها:
أولًا: نكران الذات
لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا ظل الأفراد أو الكيانات أسرى لمكاسبهم الخاصة. فالوطن أكبر من الجميع، وأبقى من أي موقع أو مكسب. إن التنازل هنا ليس ضعفًا، بل قمة القوة؛ لأنه يعكس وعيًا بحجم التحدي وإدراكًا بأن الخسارة الحقيقية هي خسارة الوطن.
ثانيًا: بناء الثقة بين المكونات الوطنية
الثقة لا تُمنح بالكلمات، بل تُبنى بالمواقف. تبدأ بالشفافية، وتُرسّخ بالالتزام، وتزدهر بالعدالة. ولا يمكن الحديث عن جبهة داخلية متماسكة دون إزالة مخاوف الإقصاء، وضمان مشاركة حقيقية لكل الأطراف، على قاعدة الإنصاف والتجرد والوقوف على مسافة واحدة من الجميع.
ثالثًا: تهيئة بيئة حاضنة للحوار
الحوار ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية في أوقات التحول. لكنه لا ينجح إلا في بيئة آمنة تُحترم فيها الآراء، وتُصان فيها الكرامة، وتُدار فيها الخلافات بعقلانية. بيئة تُدرك أن التباين لا يعني العداء، وأن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن توجيهه.
إن الوطن اليوم ينادي أبناءه: أن يعلوا فوق الجراح، وأن يتجاوزوا مرارات الماضي، وأن يفتحوا صفحة جديدة عنوانها التعافي الوطني. صفحة لا تُكتب بالإنكار، بل بالاعتراف؛ ولا تُؤسس على الإقصاء، بل على الشراكة؛ ولا تُدار بمنطق الغلبة، بل بروح التوافق.
ما بين صوت الذات ونداء الوطن، يقف كل واحد منا أمام اختبار حقيقي:
هل نختار ما يرضي اللحظة، أم ما يصنع المستقبل؟
هل ننحاز لأنفسنا، أم ننحاز لوطن يستحق منا أن نكون أكبر؟
إن وهج الضمير لا يخبو حين نختار الوطن، بل يزداد إشراقًا… لأنه حينها فقط، نكون قد انتصرنا على أضعف ما فينا، وأيقظنا أنبل ما فينا.
والأوطان لا تبنى إلا بأصحاب الضمائر الحية.