الأعمدة

ثورة أكتوبر.. النسخة الكردفانية:  شهيد مدرسة الابيض الجنوبية بقلم :علي زين العابدين 

ثورة أكتوبر.. النسخة الكردفانية:

شهيد مدرسة الابيض الجنوبية

بقلم :علي زين العابدين

للثورات وجوه لا تحفظها الصور الرسمية وأسماء تسقط من دفاتر المؤرخين لكنها تظل حية في ذاكرة المدن،

 

وفي الأبيض عروس الرمال تمتد حكايات ثورة اكتوبر من فريق القبة إلى ود الياس ومن الرديف وفلاتة الى سوق ابو جهل تختلط برائحة السمسم وبغبار الطرقات وصفير قطارات السكة حديد وبدفئ وتحنان فرقانها القديمة وبيوتها المتقاربة وأفنيتها تلك التي كانت وما تزال تتسع للجيران والعابرين وتلتف حول قبة الشيخ إسماعيل الولي وتمر داخل ممرات السوق الكبير وتتجول في ميدان تيتو الذي حمل اسم الرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو تخليدا لزيارته التاريخية إلى المدينة.

 

تلك المدينة التي لم تكن تنتظر العاصمة كي تصنع أخبارها،..

فقد امتلكت صحافتها وحياتها الثقافية ومدارسها ورجال قانونها وفنانيها، وامتلكت قبل ذلك كله مجتمعا يتفاعل مع السياسة والثقافة والتعليم وتتشكل داخله أسئلة الحرية والعدالة والمشاركة في حكم البلاد في ذلك التاريخ.

 

ولم تكن الأبيض بعيدة عن الحراك الوطني قبل أكتوبر فقد عرفت نشاطا سياسيا وثقافيا وصحفيا مبكرا،

وكانت من أبرز مؤسساتها صحيفة كردفان التي أسسها الفاتح أحمد النور ترير عام 1945م بوصفها واحدة من التجارب الرائدة في الصحافة الإقليمية السودانية،

الفاتح النور كما هو معروف من دعاة الحكم الاقليمي والتنمية والتعليم وقد اختار البقاء في الأبيض واصدار صحيفته منها وقد حكي عنه الصحفي بابكر عيسى أحمد ابن شقيقته.

وهي تجربة تكشف عن مدينة امتلكت مؤسساتها الخاصة لإنتاج المعرفة والتعبير عن قضاياها بعيد عن المركزية الصحفية للعاصمة.

 

ومنذ خمسينيات القرن الماضي كانت الحركة الطلابية تجد في الأبيض فضاء اجتماعيا يتجاوز أسوار المدارس ومن الوقائع التي أوردها عبد المنعم خليفة خوجلي في أوراق أكتوبرية حادثة اعتصام طلاب مدرسة خورطقت حين فتحت أسر المدينة منازلها لاستقبال الطلاب وتشكلت لجنة للوساطة لحمايتهم من الفصل والتشريد،

كان من بين أعضاء تلك اللجنة المحامي الحاج الطاهر الذي أصبح لاحقا من الشخصيات البارزة في مواجهة الحكم العسكري. فلم تكن تلك الواقعة مجرد تضامن عابر مع طلاب مدرسة وإنما صورة لمدينة كانت ترى في التعليم شأنا عاما وفي أبنائها القادمين من أنحاء كردفان ومن خارجها جزء من نسيجها الاجتماعي، وكانت بيوت اهلها قادرة على أن تتحول عند الحاجة الي ملاذ للطلاب حين تضيق بهم مؤسسات السلطة.

 

وفي عام 1962م وبينما كانت الحركة الفنية والثقافية تتسع في المدينة فقد شهدت الابيض تاسيس فرقة فنون كردفان التي جمعت عددا كبيرا من الفنانين والشعراء والموسيقيين من مختلف أنحاء الإقليم،

وقد روى حسين محمود أحمد وهو أحد مؤسسي الفرقة أن قيامها جاء في إطار تكوين الفرق الفنية بالمديريات،

كانت الابيض انذاك تعج بالروابط الأدبية والفنية، فاستقطبت الفرقة الفنان صديق عباس من النهود وبابكر نوبة من بارا وعبد الرحمن نور الدين من بابنوسة الى جانب الموسيقي جمعة جابر وعدد من الادباء والشعراء من بينهم محمد عوض الكريم القرشي وبلغت عضويتها أكثر من سبعين شخصا برئاسة أبو عاقلة يوسف.

وكانت تلك الأصوات القادمة من أنحاء كردفان المختلفة تلتقي في عاصمتها الإقليمية حاملة معها إيقاعات البادية لتصوغ فنا يحمل ملامح المكان واهله.

 

وفي العام نفسه كانت الأبيض على موعد مع مواجهة من نوع آخر لا تدور فوق خشبة المسرح وانما داخل قاعات القضاء وأروقة السجون حين تقدم المعتقل مصطفى أبو حسنين بشكوى أفاد فيها بتعرضه للتعذيب على ايدي ضباط في الجيش (ما اشبه الليله بالبارحة) وذلك بواسطة محاميه الأستاذ الحاج الطاهر فامر القاضي صلاح حسن بالتحقيق مع الضباط غير أن الحاكم العسكري بالأبيض الأميرالاي الزين حسن رفض تنفيذ أوامر القضاء،

لم يتراجع القاضي عن موقفه بل كلف أبيل الير و الذي كان وقتها مساعد قضائي يتلقى تدريبه في الأبيض بالتحقيق مع المعتقل داخل السجن، وبحسب الرواية التي نقلها القانوني حسام هارون عن أسرة القاضي صلاح حسن فقد عاد الير بمحضر يؤكد وقوع التعذيب فاصدر القاضي أوامر بالقبض على الضباط لكن السلطة العسكرية رفضت تنفيذها للمرة الثانية لتتحول القضية إلى مواجهة بين القضاء والجيش امتدت أصداؤها إلى كل السودان.

 

وتذكر الرواية أن أهالي الأبيض خرجوا جميعا لوداع القاضي صلاح حسن بعدها و عقب صدور قرار بابتعاثه إلى بريطانيا في مشهد يكشف أن الصراع حول سيادة القانون لم يكن غريبا عن المدينة وأن مواجهة السلطة العسكرية كانت قد بدأت قبل أن تتردد هتافات أكتوبر في بقية مدن السودان.

 

أما المحامي الحاج الطاهر أحمد فقد اورد عبد المنعم خليفة خوجلي أنه سلم رخصة المحاماة احتجاجا على انتهاكات الحكم العسكري وأعلن امتناعه عن ممارسة المهنة إلى حين عودة سيادة القانون واتجه للعمل بالزراعة في موقف يعكس طبيعة الصراع بين السلطة العسكرية وبعض رجال القانون ويكشف أن مقاومة الحكم العسكري في الأبيض لم تكن محصورة في النشاط الحزبي والطلابي وإنما امتدت إلى المؤسسات العدلية والمهنية وإلى شخصيات اختارت أن تدفع ثمنا لمواقفها.

 

وفي عام 1963م ومع افتتاح مدرسة الأبيض الثانوية بدأ عدد من الطلاب تنظيم نشاطهم السياسي سرا بعد حظر الاتحادات الطلابية ولم تكن المدرسة تضم حينها سوى الدفعتين الأولى والثانية ومع ذلك نشأ بين طلابها تنظيم سياسي أصدر صحيفة حائطية باسم اللهيب،

وكان أعضاؤه يكتبون المنشورات بطريقة المربعات حتى يصعب التعرف على خطوطهم ثم يعلقونها ليلا بعيدا عن أعين السلطات، ومن الأسماء التي ارتبطت بذلك النشاط محيي الدين بكري محمد وخالد عبد المجيد وعشاري وعثمان التوم الهدى وفيصل ازهري حسن وعبد الحليم محمود وفقا لما ورد في دراسة شذرات من تاريخ الأبيض الثانوية المنشورة عام 2022،

 

وفي 19 أكتوبر 1964 قبل استشهاد أحمد القرشي بيومين يروي الكاتب صلاح الدين عبد الحفيظ أن جدران المنازل والمؤسسات الحكومية في الأبيض امتلأت بالشعارات المناهضة لحكم إبراهيم عبود وأن السلطات اعتقلت 21 شخصا للاشتباه في مشاركتهم في النشاط المعارض،

وكانت تلك الجدران قبل أكتوبر شاهدة على معارضة تبحث عن طريقها إلى العلن.

 

وفي ليلة 21 أكتوبر وبحسب شهادة فاروق أبو عيسى كان المحامي الحاج الطاهر ضمن مجموعة من أبناء الأبيض الموجودين في الخرطوم وقد التقاهم برفقة التجاني الطيب في منزل محمد الحسن عبد الله يسن بالخرطوم( نمرة 2) وكان من بينهم حسنين حسن وعلي التوم وهي واقعة تكشف عن امتداد النشاط السياسي لابناء الأبيض وصلاتهم المباشرة بالقوى المعارضة في العاصمة خلال الايام الأولى للثورة وتوضح ان الحركة السياسية في المدينة لم تكن معزولة عن شبكات المعارضة الوطنية،

 

كان طلاب المدرسة العربية (النهضة) قد خرجوا واتجهوا نحو مدرسة الأبيض الثانوية ودعوا طلابها إلى المشاركة في المظاهرات فاستجابوا لهم وانطلقت المواكب في شوارع المدينة وازقتها وواجهتها الشرطة وبدأت المطاردات والمواجهات، قبل أن تمتد الاحتجاجات إلى السوق والشوارع الرئيسية بمشاركة قطاعات مختلفة من سكان الأبيض،

 

تشير دراسة تاريخ الأبيض الثانوية إلى وجود تنسيق سري بين طلاب المدارس بما فيها مدرسة خورطقت الثانوية وهكذا كانت السياسة قد خرجت من الصفوف الدراسية إلى فضاء المدينة واختلطت أصوات الطلاب بضجيج السوق، وتحولت الشوارع التي اعتادت خطوات التجار والباعة والمسافرين إلى مساحات للمطالبة بسقوط الحكم العسكري بينما كانت عروس الرمال تضيف صوتها إلى أصوات المدن السودانية المنتفضة.

 

ولم تقتصر مظاهرات الابيض على الطلاب والرجال فقد شاركت النساء بأعداد كبيرة، وتروي الأستاذة عائشة موسى السعيد انها تتذكر شابا متحمسا وسط المظاهرات ادهشه الحضور النسائي الكبير فاخذ يهتف بأعلى صوته :

عاش كفاح المرات

وهي عبارة قد تبدو طريفة حين نقرأها اليوم لكنها تحتفظ داخل طرافتها بصورة مجتمع كانت نساؤه يقتحمن المجال السياسي بأقدامهن وأصواتهن ويتجاوزن الحدود الاجتماعية المألوفة في ثورة لم تكن تستهدف إسقاط الحكم العسكري وحده بل كانت تكشف أيضا عن طاقات اجتماعية ظلت بعيدة عن المشهد العام.

 

وخلال أحداث أكتوبر قدمت الأبيض شهيدها محمد عباس التجاني الذي أورد د. عبد الله علي إبراهيم اسمه ضمن شهداء الاقاليم.

وفي ذكريات نشرها عدد من أبناء الأبيض بموقع سودانيز أونلاين عام 2007 ورد اسم الشهيد محمد العباس باعتباره من تلاميذ المدرسة الجنوبية وان والده المعروف بعم العباس يعمل فراشا بالمدرسة ولكن لم يتثني لنا معرفة ما اذا كان محمد العباس تلميذ المدرسة الجنوبية هو نفسه محمد عباس التجاني الذي ورد اسمه في قوائم شهداء أكتوبر ام ان اختلاف الاسمين يعكس وجود شخصين مختلفين اختلطت سيرتاهما في الذاكرة المحلية،

 

وبعد سقوط حكم العسكر كانت الأبيض تحتفل بطريقتها فامتلات مسارحها بالجماهير وصدحت الاغاني الوطنية احتفاء بالحرية واقام فناني المدينة عدد من الليالي الغنائية احتفالا بالثورة وشاركوا في تقديم أعمال وطنية تجاوب معها الجمهور وكان من بينهم الفنان والملحن حمودة محمد حامد أحد الأسماء المرتبطة بتطور الأغنية الكردفانية و الذي ورد ذكره في شهادة الفنان عبد القادر سالم بوصفه أحد المشاركين في تلك الاحتفالات،

 

ولم يغب أبناء الابيض عن الشعر الذي خلد أكتوبر فقد كان الشاعر عبد الله الشيخ البشير يعمل أستاذا للغة العربية بمدرسة خورطقت الثانوية ونشرت له صحيفة كردفان قصيدته (صيحة الشعب البطل ضد الظلم المسلح).

وقد اعاد الباحث الدكتور أحمد محمد البدوي نشر القصيدة ودراستها بعد خمسين عاما من الثورة،

 

كما كان الشاعر محمد المكي إبراهيم صاحب قصيدة أكتوبر الأخضر التي تغنى بها الفنان محمد وردي وأصبحت واحدة من أشهر الأعمال الشعرية والغنائية المرتبطة بالثورة من أبناء مدينة الأبيض وتلقى جانب من تعليمه بها حتي خورطقت الثانوية،

 

وفي اعقاب الثورة برز اتحاد أبناء جبال النوبة كتنظيم سياسيا مستقل وكان من ابرز قياداته العقيد محمود حسيب الذي سبق وان شارك في محاولة انقلابية فاشلة ضد نظام إبراهيم عبود عام فاعتقل وحكم عليه بالسجن وظل معتقلا حتى أطلق سراحه عقب انتصار ثورة أكتوبر 1964م قبل أن يتولى رئاسة اتحاد عام جبال النوبة، إلى جانب شخصيات بارزة في التنظيم من بينها عطرون عطية والاب فيليب عباس غبوش،

وفي انتخابات عام 1965 حصل الاتحاد على ثمانية مقاعد برلمانية في جنوب كردفان في محطة مهمة من تاريخ الوعي السياسي والسعي إلى تمثيل قضايا الإقليم بصورة مستقلة، لتكشف السنوات التي أعقبت الثورة عن تحولات سياسية تجاوزت الاحتفال بسقوط الحكم العسكري إلى البحث عن مواقع جديدة للأقاليم ومجتمعاتها في الحياة السياسية السودانية، وعن أصوات أرادت أن تتحدث باسم قضاياها وتجاربها بعيد عن احتكار المركز للتمثيل والقرار.

 

بالمناسبة دي مدرسة الأبيض الجنوبية هي مدرستي التي تخرجت فيها عام 1982 وأحتفظ لها بذكريات عزيزة وبوجوه وأيام لا تغيب عن الذاكرة ومن هنا ابعث بتحية محبة ووفاء إلى أستاذي الجليل ذو النون وإلى جميع زملائي من أبناء الدفعة.

 

# علي زين العابدين

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى