الأعمدة

حديث السبت يوسف عبد المنان  “تِرِك” حكاية الصعود والهبوط! من إسقاط حمدوك وتفويض البرهان رئيساً للجمهورية إلى معركة والي كسلا

حديث السبت

يوسف عبد المنان

“تِرِك” حكاية الصعود والهبوط!

من إسقاط حمدوك وتفويض البرهان رئيساً للجمهورية إلى معركة والي كسلا

 

(1)

بعد سقوط الإنقاذ أو انقلاب صلاح قوش على البشير صعَد نجم ناظر عموم الهدندوة محمد الأمين ترك وأخذ مقعده في الساحة السياسية ووضع كل تجربته مع الإنقاذ حلوها ومرّها وراء ظهره، ولم يذرف الدموع على الماضي ولكنه نظر إلى مستقبله السياسي كقائد لعشيرة كبيرة نظارة الهدندوة واستخدم سلاح الجغرافيا وجبال البحر المالح واستثمر في جماهير تغطّي السماء في صيف هداليا، وساهمت قوى الحرية والتغيير في صعود نجم الناظر ترك بشنّها الحرب على رجل ينظر إليه حمدوك كخصم له، وتشكل لحيته عقدة نفسية لمن يعتقد أن اللحية مظهراً للتديّن لو شكلياً .

ولو احتوى حمدوك الناظر ترك من موقعه كناظر وغض الطرف عن ماضي الرجل شديد العناد لما حدث ماحدث ،ولكن حمدوك كان يصغي لمجموعة موظفين في المنظمات الدولية وأصحاب المواجد والغبائن حتى لفظه التيار الوطني العريض ورمي به لاجئاً يتسول العودة للسلطة عبر مشيخة أبوظبي التي تدّعي نفاقاً حرصها على الانتقال الديمقراطي من حكم عسكري لحكم مدني وانتخابات يختار عبرها السودانيين من يمثلهم مثل اختيار الشعب الإماراتي عن طريق صناديق الانتخابات لآل زايد بن سلطان.

والناظر محمد الأمين ترك صنعت نجوميته قوى الحرية والتغيير التي ناصبته العداء وخسرت أكبر مكون قبلي في شرق السودان ولم تحدّثها نفسها الأمارة بالسوء اختيار بديل لترك في الشرق أو مجرّد محاولة الحوار معه في القضايا القومية ،وقد استثمر المكون العسكري في حالة القطيعة بين ترك وحمدوك وغض العسكر بما في ذلك حميدتي الذي حاول مد جسور الوصل مع الرجل لكن البرهان كان أعمق صلة وأكثر تواصلاً ولعب رجلين من رجال البرهان دوراً كبيراً في صناعة صعود ترك “مفضل وصبير”، وقطع الرجل طريق بورتسودان الخرطوم بوضع المتاريس عند مرتفع العقبة الشهير وغضّت القوات المسلحة الطرف عن النهج التتريس لترك وأنصار ترك ،وأضعفت تلك الأحداث حكومة حمدوك التي صارت من بعد ذلك في عين العاصفة وقاد الناظر ترك المعارضة الناعمة والعنيفة بإغلاق ميناء بورتسودان وخنق حكومة الثورة، وأصبح الناظر ترك رقماً كبيراً في الساحة السياسية.

وبعد إسقاط حمدوك وكان لترك نصيباً مقدراً في ذلك السقوط توقّع الجميع أن يصعد ترك إلى مجلس السيادة ومعه التوم هجو لما لهما من دور في التغيير الذي جعل البرهان حاكماً لوحده ومثلما تأكل الثورات صناعها تأكل الانقلابات داعميها فأين الآن صناع ثورة ديسمبر وأين محمد ناجي الأصم وأين أحمد ربيع؟!. وترك لم يتركه البرهان لوحده مثل التوم هجو ومبارك أردول ، وأصبح لترك نفوذ كبير في اختيار ولاة شرق السودان والوزراء وحتى مدراء الشركات الكبيرة ،أما رشّحها ترك أو حظيت بموافقته واختفى الرجل لشهور وعاد قبل أيام بدعوته التي وجدت صدى واسعاً في الرأي العام وهي تفويض الفريق البرهان رئيساً للجمهورية ولن يتحقّق ذلك إلا بدعم جماهيري من كيانات اعتبارية وشخصيات قوميه مثل ترك وسلطان المساليت وناظر دار حامد وأمراء النوبة ولكن أغلب هولاء تعوزهم شجاعة ترك في الجهر بما يؤمن به دون الالتفات إلى ردود الأفعال.

والبرهان يحظي الآن بأكبر دعم شعبي ليعبر بهذا الشعب من حالة اللانصر واللاهزيمة إلى حالة الانتصار الكامل على المليشيا وإذا تحقّق ذلك فإن الشعب السوداني لن يتردّد في استعارة هتاف جماهير المريخ (جمال الوالي رئيس طوالي) ، ليصبح البرهان رئيس طوالي ولكن مشكلة البرهان أغلب من حوله من رجال الظل تحسبهم جماعة وقلوبهم شتى والأكثر إخلاصاً ووفاءًا للبرهان ويكف شرور الأشرار هو علاء الدين محمد عثمان .

والناظر ترك بدعوته لتفويض البرهان رئيسا للجمهورية أصبح أكثر تأثيراً على مسار مركب السياسة في هذه البلاد، وارتقى لموقع قومي كبير ومهمة شاقة، وسيدفع ثمن ذلك نقداً وتقريعاً لأن القوى التي ترفض جمهورية البرهان حتى من الداخل مؤثرة جداً وبيدها المال والذهب والفضة.

(2)

إذن الناظر ترك الآن هو من يجهر علناً بالدعوة لمبايعة البرهان رئيساً للجمهورية، والمبايعة من عندي ولم ترد على لسان الناظر لأنها كلمة لها ظلال يبغضها كثيرين، ولكن حتى تصبح دعوة ترك لها أثرها فلا خيار غير اجتراح تعديلات جوهرية على الوثيقة الدستورية المعدلة أو العودة لدستور ٢٠٠٥ وأغلب القوى السياسية تدعم هذه العودة بيد أن الناظر ترك يغرّد وحده بما يطرب الكثيرين، وإذا كان ناظر الهدندوة قد ارتقى هذا المقام الرفيع بكسبه وعرق جبينه السياسي، فكيف يهبط فجأة الأسبوع الماضي ويعلن عن خوض معركة مع موظف جاءت به السلطة حاكماً لولاية كسلا التي تمثل مركز ثقل لناظر الهدندوة ترك ،والذي لوجلس في بيته الواسع ومضيفته التي يتوافد عليها الناس من كل بقاع أرض السودان في هداليا شمال أروما وطلب والي كسلا لهرع إليه مهرولاً بفارهات السلطة ولأصغى بالحسنى لشخصية تلعب دوراً كبيراً على صعيد المركز ولا يرد لها طلباً ،ولكن الناظر ترك بكل أسف هبط لمعركة دونه بكثير، وهدّد وتوعّد ،ووالي كسلا بطبيعة الحال لايستطيع خوض معركة مع ترك ولا ليوم واحد ولكن لأهلنا المسيرية مثل بليغ يقولون (النزاع بيغلي الجنقور) والجنقور هو الخِرقة البالية التي يمسح بها على الأحذية فهذه الخِرقة القديمة إذا تنازع الناس حولها ارتفعت قيمتها ،ويمكن أن يموت الناس في سبيل تملّكها والناظر ترك يمكنه الارتقاء بمعاركة إلى من هم في مقامه ولايهبط لمنازعة والي كسلا الذي لايعرف ربما بعض سكان القاش وعواض وقلسا واللفة اسمه، ولكن كل الدنيا تعلم من هو الناظر محمد الأمين ترك وكيف أسقط حمدوك والمنتظر منه في مقبل الأيام فلماذا يهدر طاقته في معارك صغيرة انتصاراً للنفس؟!.

(3)

قبل أيام كنت أقرأ في كتاب لصحافي سوداني وهو الأستاذ صديق محيسي كتابه الموسوم “بحروب الترابي” حيث سعى من موقف الخصومة لجعل كل حروب السودان من توريت ١٩٥٥م الي توريت ٢٠٠٢م من صنع الشيخ الراحل حسن الترابي ومثل هذا المنهج في الكتابة ربما يخدم قضية صراع سياسي في حينه ،لكنه يبعد عن حقائق التاريخ والسياسية ويرفع من شان الأفراد أو يحط من مقامهم بدواعي الخصومة التي تضيع بين سطورها كثير من الحقائق، والآن حينما يكتب النور حمد ويمجّد مليشيا الدعم السريع ويهرع إلى انتقاد التيار الإسلامي وتحميله كل اخفاقات الماضي والحاضر فإنه يسقط ككاتب ومثقف في مستنقع مرتادي أركان النقاش وناشطي الفيسبوك والواتساب. والتيار الإسلامي الذي تم اقصائه من الحكم منذ سقوط الإنقاذ وحتي اليوم لم يدخل حرب الجنجويد إلا بعد أن أدرك إن هذه الحرب قد تبتلع السودان وتقصم ظهر القوات المسلحة إذا تُركت وحدها تصارع تحالف دولي يستخدم المليشيا كأداة فقط لتنفيذ مخطّطه الآثم ولو وضعت الحركة الإسلامية جهدها مع حميدتي وقاتلت في صفه لقرّبها ذلك من الإمارات ولكنها اختارت دعم القوات المسلحة والوقوف في صفها ، وهي تعلم أن قيادة الجيش لها مواقفها ولها تحالفاتها الإقليمية وأولوياتها ولكن تظل وحدة البلاد وتماسُك الجيش الضمانة الوحيدة لأن يكون لنا وطناً به نباهي ونفتخر ولكن أمثال الأستاذ صديق محيسي اليوم بضاعة في سوق السياسة الذي يشهد كل يوم كساداً في الأفكار وتمدّداً للهتافات التي تغطي على حقائق الواقع.

وحرب السودان اليوم لم تبدأ من الإذاعة والتلفزيون وليس مثل حروب الأطراف من جبال النوبة والبحر الأحمر ولا من جبال عدولة في دارفور، ولكنها حرب مختلفة بدأت من داخل بيوتنا التي نُهبت ومن داخل متاحفنا التي أُحرقت ومصارفنا التي تحوّلت لرماد ومصانعنا التي عُطّلت ومحولات الكهرباء التي تم تصديرها لدول الجوار وحتى نسائنا أُخذن سبايا وتم بيعهن في فوربرنقا ووادي بليل بالقرب من نيالا ،فكيف لاتصبح مثل هذه الحرب مختلفة عن سابقاتها من الحروب وهي حرب ينتظر الشعب السواني في حدها الأدنى أن تعود ولايات دارفور الخمسة إلى أحضان الوطن لا بالتفاوض وانسحاب المليشيا ولكن بدم وعرَق الرجال.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى