
خبر وتحليل : عمار العركي *العلاقات السودانية الإريترية… إلى أين؟ وحتى متى؟*
خبر وتحليل : عمار العركي
*العلاقات السودانية الإريترية… إلى أين؟ وحتى متى؟*
* على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، ظلت العلاقات السودانية الإريترية تتأرجح بين التقارب والتوتر، حتى أصبحت واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية تأثراً بطريقة إدارتها، أكثر من تأثرها بطبيعة المصالح المشتركة بين البلدين. وقد خلصنا في قراءات سابقة إلى أن أزمة هذه العلاقة لم تكن في الجانب الإريتري بقدر ما كانت في غياب الرؤية الإستراتيجية السودانية، وتعدد مراكز اتخاذ القرار، وهيمنة الاجتهادات الفردية على حساب العمل المؤسسي.
* شكّلت حرب الخامس عشر من أبريل نقطة تحول في العلاقات السودانية الإريترية، إذ أفرزت واقعاً إقليمياً جديداً، وكشفت أن البلدين يواجهان تحديات ومهددات أمنية مشتركة. ومن ثم، لم يعد تطوير العلاقات بين الخرطوم وأسمرة مجرد خيار سياسي، بل أصبح ضرورة تفرضها اعتبارات الأمن القومي والمصالح الإستراتيجية المشتركة.
* مؤخراً، بدأت مؤسسات الدولة السودانية تتجه نحو رؤية أكثر توافقاً في التعاطي مع إريتريا. فقد توالت الزيارات الرسمية التي قادها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ونائبه مالك عقار، ورئيس الوزراء كامل إدريس، إلى جانب وزراء الخارجية والإعلام وقيادات جهاز المخابرات العامة، وجميعها حملت رسائل متقاربة تؤكد أهمية تعزيز العلاقات مع أسمرة، والانطلاق بها إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية التي تفرضها مصالح البلدين والمتغيرات الإقليمية.
* غير أن هذا التوافق المؤسسي لم ينعكس بالقدر المأمول على واقع العلاقة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول إدارة هذا الملف ووحدة القرار. فثمة مؤشرات توحي بأن بعض الاجتهادات لا تزال تتحرك خارج الإطار العام الذي رسمته القيادة السياسية، مما يؤدي إلى إرباك العلاقة وإعادة إنتاج أزمات كان يفترض أن تصبح من الماضي.
* إن العلاقات بين الدول لا تُبنى على الزيارات الرسمية وحدها، وإنما على التزام مؤسسات الدولة كافة برؤية واحدة، وسياسة خارجية متسقة، ورسائل موحدة تعكس قرار الدولة، لا اجتهادات الأفراد. فالعلاقات الإستراتيجية لا تحتمل تضارب الإشارات، ولا تعدد مراكز القرار.
* وهنا يعود السؤال الذي ظل يرافق هذا الملف منذ سنوات: إذا كانت القيادة السياسية في البلدين قد نجحت في بناء قدر معتبر من الثقة، وإذا كانت مؤسسات الدولة السودانية تعلن توافقها على أهمية تطوير العلاقة مع إريتريا، فمن الذي يعرقل استقرار هذا المسار؟ ولمصلحة من؟ ولماذا يتكرر الارتباك كلما اقتربت العلاقة من الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً ونضجاً؟
*خلاصة القول ومنتهاه…*
* إن مستقبل العلاقات السودانية الإريترية لن تصنعه الزيارات الرسمية وحدها، بل تصنعه وحدة القرار، واحترام المؤسسية، والالتزام بإستراتيجية واحدة في إدارة هذا الملف الحساس. فقد تجاوز السودان وإريتريا كثيراً من هواجس الماضي، ونجحا في بناء أرضية جديدة للتعاون، لكن الحفاظ عليها يتطلب حماية هذا المسار من أي اجتهادات أو تباينات داخلية قد تعيد إنتاج أخطاء دفع البلدان ثمنها طويلاً.
* ويبقى السؤال القديم المتجدد، والذي لم يجد إجابته حتى الآن: من الذي يعيق العلاقة ؟ ولمصلحة مــن ؟ وإلى مــتى؟