
*خطاب الكراهية: مرضٌ نفسيٌّ يصيب المجتمع ويهدد استقرار الدولة* صحيفة التيار عدد اليوم السبت 22 اغسطس 2026م بقلم .. الرشيد امبدي ابوبكر
*خطاب الكراهية: مرضٌ نفسيٌّ يصيب المجتمع ويهدد استقرار الدولة*
صحيفة التيار عدد اليوم السبت 22 اغسطس 2026م
بقلم .. الرشيد امبدي ابوبكر
مقدمة
لا تقتصر خطورة خطاب الكراهية على الكلمات التي تُقال أو تُكتب، وإنما تتجاوزها إلى منظومة نفسية واجتماعية وسياسية قادرة على تفكيك المجتمعات وإضعاف الدول. فعندما يُنتج خطاب الكراهية بصورة كثيفة ومنهجية، لخدمة مصالح سياسية أو أيديولوجية أو طائفية ضيقة، فإنه يحوّل الاختلاف الطبيعي بين الناس إلى صراع، ويزرع الشك والخوف والعداء، ويجعل الآخر خصماً دائماً لا شريكاً في الوطن.
الكراهية وصناعة الاستقطاب
من منظور علم النفس الاجتماعي، يؤدي التكرار المستمر للخطاب العدائي إلى تكوين صور نمطية سلبية عن الجماعات المستهدفة، ويعزز الانحياز للجماعة، ويضعف القدرة على التعاطف والتفكير المتوازن. ومع استمرار الاستقطاب، يصبح الإنسان أكثر استعداداً لتصديق المعلومات التي توافق قناعاته، ورفض الحقائق المخالفة لها، فتتشكل بيئة نفسية مغلقة يصعب فيها الحوار والتعايش.
ولا تقف النتائج عند حدود المجتمع؛ فالدول التي تعاني انقسامات حادة تصبح أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية. وقد تجد أجهزة استخبارات أو جهات أجنبية في بيئات الاستقطاب فرصة لاستثمار التناقضات الداخلية، وتوسيع الفجوات، والتأثير في الرأي العام. ومن هنا يمكن القول إن منتجي خطاب الكراهية قد يتحولون، بقصد أو من دون قصد، إلى أدوات تخدم قوى تستفيد من تفكك المجتمعات.
الكراهية ترتد على صاحبها
الكراهية المزمنة ليست حالة نفسية بلا ثمن. فالعيش المستمر في حالة الغضب والعداء والانتقام قد يرتبط بارتفاع مستويات التوتر النفسي واضطراب النوم والقلق والاكتئاب، كما يمكن للضغط النفسي المزمن أن يؤثر سلباً في وظائف الجسم والصحة العامة. لذلك فإن الإنسان الذي يجعل الكراهية جزءاً دائماً من تفكيره وسلوكه قد يدفع ثمناً نفسياً واجتماعياً وصحياً، وإن كان ذلك لا يعني أن كل مرض عضوي سببه الكراهية وحدها.
كما أن الاستغراق في خطاب العداء قد يعزل صاحبه اجتماعياً، ويضعف علاقاته الأسرية والمهنية، ويجعله أسيراً لدائرة من الغضب المستمر، بحيث تصبح الخصومة هدفاً في ذاتها، لا وسيلة لتحقيق مصلحة مشروعة.
العلاج يبدأ من الخطاب
مواجهة خطاب الكراهية ليست مهمة أمنية أو سياسية فقط، بل هي عملية وقائية وعلاجية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والدولة. ويبدأ العلاج بتعليم مهارات الحوار، وقبول الاختلاف، والتفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، والتمييز بين نقد الأفكار والتحريض ضد الأشخاص والجماعات.
كما يتحمل الإعلام مسؤولية كبيرة في عدم تحويل المنابر إلى ساحات للتحريض، وفي تقديم خطاب مهني يهدئ التوتر بدلاً من تضخيمه.
خاتمة
إن المجتمع الذي يحارب الكراهية يحمي صحته النفسية والاجتماعية، ويعزز مناعته أمام الاستقطاب والتدخلات الخارجية. ومحاصرة خطاب الكراهية ليست ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة لبناء مجتمع متماسك ودولة مستقرة. فالكلمة قد تشعل صراعاً، لكنها تستطيع أيضاً أن تكون بدايةً للشفاء والمصالحة واستعادة الثقة.