
دكتور ياسر احمد ابراهيم. *الرجل الصالح… وذريةٌ بعضها من بعض*
دكتور ياسر احمد ابراهيم. *الرجل الصالح… وذريةٌ بعضها من بعض*
في كل مرة يُذكر فيها اسم الشيخ إبراهيم أحمد محمد مختار، يحضر معه معنى الورع والتقوى(حفظ القران في خلوه والده بجزيره مقىات منطقه زروق)، ويأتي الخير ملازماً لسيرته، كأنما كان قدراً اختارته له الحياة. فهو سليل بيتٍ عُرف بالصلاح وأهل القرآن، ونشأ على قيم الدين والعلم وخدمة الناس، فامتد عطاؤه من أبو حمد موطنه إلى القهيد موطن أجداده، ثم إلى كل مكان حمل إليه رسالة التعليم والعمل العام.
كان الشيخ إبراهيم من رواد التعليم في منطقة الرباطاب، تخرج في كلية غردون عام 1920 من كليه المعرفف (كليه المعلمين ) ومن الذين حملوا مشاعل المعرفة في بدايات التعليم النظامي بالسودان. وقد أصبح أول مفتش سوداني للإقليم الشمالي، فجمع بين العلم والخبرة التربوية والحرص على بناء الإنسان، مؤمناً بأن نهضة الأمم تبدأ من المدرسة، وأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو جيلٌ متعلم صالح.
وبعد بلوغه سن المعاش، لم يعرف الراحة طريقاً إلى قلبه؛ فقد كرّس ما تبقى من عمره لخدمة أهله ومنطقته، يقود الوفود ويحفّز الناس على النفير والعمل الطوعي، ويسعى لتشييد المدارس والمؤسسات التعليمية والخدمية، واضعاً خبرته وعلاقاته ومكانته في خدمة مجتمعه.
ولعل أجمل ما في سيرته أن ثمرة جهده لم تكن حجراً أو مبنى فحسب، وإنما كانت رجالاً صنعوا الفرق. فقد درّس الشيخ إبراهيم أجيالاً من أبناء المنطقة، كان من بينهم عدد من النابهين الذين تبوأوا مواقع علمية وإدارية رفيعة، من أمثال البروفيسور عبدالله أحمد عبدالله، الذي تولى منصب حاكم الإقليم الشمالي ومدير جامعة الخرطوم، والبروفيسور محمد الشاذلي، الأستاذ الجامعي ووزير الدولة بوزارة الزراعة، والبروفيسور حافظ الشاذلي، من رواد طب الأطفال والعمل الأكاديمي في السودان، والبروفيسور علي كرار، الأستاذ الجامعي، والدكتور عبدالرحمن عبدالله، القاضي الإداري المعروف، وأول وزير للخدمة والإصلاح الإداري، والاداري الضليع بابكر النافع محافظ الخرطوم إلى جانب كوكبة أخرى من أبناء المنطقة الذين حملوا راية العلم والعمل في مواقع مختلفة.
وهكذا تتجلى عظمة المعلم الحقيقي؛ فهو لا يُقاس بعدد السنوات التي قضاها في الفصل، وإنما بعدد الأجيال التي ترك فيها أثراً، وبعدد الرجال الذين خرجوا من تحت يده ليخدموا وطنهم ومجتمعهم.
إن سيرة الشيخ إبراهيم أحمد هي حكاية علمٍ اقترن بالعمل، وصلاحٍ اقترن بالعطاء، وتربيةٍ أثمرت رجالاً. ولذلك لم يكن غريباً أن يظل اسمه حاضراً في ذاكرة أهله وتلاميذه، وأن تظل آثاره شاهدة عليه في المدارس والمؤسسات وفي وجوه الرجال الذين علّمهم.
رحم الله الشيخ إبراهيم أحمد، فقد كان واحداً من أولئك الرجال الذين آمنوا بأن خير الناس أنفعهم للناس، فتركوا وراءهم سيرةً طيبة، وذريةً من التلاميذ والرجال الصالحين، وذكراً لا تطفئه السنون.
فذلك هو الإرث الحقيقي… أن يرحل الإنسان ويبقى أثره.