الأعمدة

د. حيدر البدري…يكتب في نقطة سطر جديد..  السقوط الأخلاقي وشعارات ( السواقة بالخلا). 

د. حيدر البدري…يكتب في نقطة سطر جديد..

السقوط الأخلاقي وشعارات ( السواقة بالخلا).

كنت أظن،( وبعض الظن إثم) لفرط ما أسمع من خطاب ساذج ومشحون بالكراهية، أن الشعارات العنصرية والسواقة بالخلا لا تليق إلا ببسطاء المقاتلين الذين دفعت بهم الحرب إلى مواقع لا يفهمون تعقيداتها، ولا يملكون من أدوات التفكير إلا ما يلقن لهم. شعارات من نوع «دولة 56»، و«الشوايقة»، و«الجلابة»، و«أهل البحر»، و«الكيزان»، و«الفلول»؛ قاموس كامل من التصنيفات الجاهزة، يُستدعى كلما احتاج الخطاب إلى خصم يُختزل في قبيلته أو جهته أو ماضيه السياسي.

لكن المسألة تصبح أكثر إزعاجاً حين تصدر اللغة ذاتها عن أشخاص يفترض أنهم تعلموا، وقرأوا، وعرفوا شيئاً عن التاريخ والدين والسياسة. بل مارسوا العمل السياسي. هنا لا يعود الأمر مجرد جهل عابر، وإنما يصبح أزمة وعي؛ لأن التعليم الذي لا يحرر صاحبه من التعصب، والمعرفة التي لا تمنعه من ظلم المختلف، تتحول إلى مجرد شهادات معلقة على جدار العقل المغلق.

والحرب السودانية، منذ اندلاعها في أبريل 2023، قدمت أدلة قاسية على خطورة تحويل الصراع السياسي إلى خصومة إثنية واجتماعية. تقارير الأمم المتحدة وثقت قتلاً للمدنيين، وإعدامات، واعتقالات تعسفية، ونهباً، وتهجيراً، وأشارت إلى تصاعد العنف ذي الدوافع الإثنية وخطاب الكراهية والتحريض. كما وثقت تقارير أخرى انتهاكات نسبت إلى قوات الدعم السريع ومجموعات متحالفة معها، بينها قتل واختطاف ونهب واعتداءات على مدنيين من جماعات إثنية مختلفة.

المشكلة إذن ليست في أن بعض المقاتلين يجهلون؛ فهذه مأساة يمكن تفسيرها. وهم اصلاً من المتردية والنطيحة وما أكل السبع، المشكلة في أن يتحول الجهل إلى عقيدة، وأن يجد له مثقفون ومتعلمون مبررات وشعارات، ثم يصبح قتل الخصم عندهم فعلاً مشروعاً لمجرد أن الخصم يحمل اسماً سياسياً أو انتماءً فكرياً مختلفاً.

ومن أكثر المفارقات مرارة أن تسمع شخصاً كان بالأمس جزءاً من خطاب الإسلاميين أو مستفيداً من منظومتهم السياسية، ثم تجده اليوم يتحدث عن «قتل الكيزان» باعتباره حكماً عاماً يشمل الصالح والطالح، والمذنب والبريء، لمجرد التصنيف. أي عقل هذا الذي يستبدل شعاراً بشعار، ويحتفظ بالمنهج نفسه؟

إن قلتَ: «كل كوز يستحق القتل»، فأنت لا تحارب فكراً؛ أنت تلغي الإنسان. وإن قلتَ: «كل شايقي» أو «كل جعلي» أو «كل غرباوي» أو «كل فلول» عدو، فأنت لا تبني دولة؛ أنت تؤسس لمذبحة اجتماعية مؤجلة.

ولذلك فإن أخطر ما في خطاب الحرب ليس الرصاص وحده، وإنما الفكرة التي تسبق الرصاصة.

تلك هي الجاهلية حين تتزين بالمصطلحات السياسية، والعنصرية حين ترتدي ثوب الثورة، والجهل حين يحصل على شهادة جامعية.

والسؤال الذي ينبغي أن يطارد كل مثقف: إذا كان وعيك لا يمنعك من قتل المختلف في خيالك، فما الذي أضافه التعليم إلى إنسانيتك؟

عفوا.. انت كالأنعام او أضل سبيلا.

نقطة سطر جديد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى