الأعمدة

رحيل رجلٍ من طينة الكبار… دكتور علي عبد الرحمن محمد عيسى في ذمة الله* *بقلم: دكتور ياسر أحمد إبراهيم

رحيل رجلٍ من طينة الكبار… دكتور علي عبد الرحمن محمد عيسى في ذمة الله

*بقلم: دكتور ياسر أحمد إبراهيم*

نعي الناعي، فاهتزّ القلب، وانهمرت الذكريات، وعاد بنا الحزن إلى محطاتٍ من العمر جمعتنا برجلٍ لم يكن عابراً في حياتنا، بل كان رفيق دربٍ وصديق عمرٍ وأخاً عزيزاً، هو المغفور له بإذن الله الدكتور **علي عبد الرحمن محمد عيسى**، ابن القضارف الأصيل، وابن قرية أم شجرة التي أنجبت الرجال وعرفت في أبنائها معاني الشهامة والكرم والمروءة.

ترجّل الفارس الكريم، وغادر دنيانا رجلٌ سطّر في سجل حياته ملحمةً من البذل والعطاء، وعُرف بالشجاعة في المواقف، والإخلاص في العمل، والوفاء للزمالة والصداقة، وظلّ يحمل بين جوانحه أصالة القرية وبساطة أهلها وكرمهم وتواضعهم.

**جمعتني بالراحل محطاتٌ كثيرة، لكل واحدة منها حكاية وذكرى لا يمحوها الزمن.**

كانت البداية في مطار الخرطوم، حين التقينا ونحن في مقتبل العمر، لم نتجاوز العشرين، متجهين إلى جمهورية مصر العربية طلباً للعلم والدراسة. ثم جمعتنا مدينة الإسكندرية، وتقاسمنا السكن والمعيشة لفترات، فعرف كلٌّ منا الآخر عن قرب، وعشنا معاً أيام الشباب بما حملته من أحلامٍ وآمالٍ وتطلعات.

ولم تكن علاقتنا مجرد زمالة دراسة أو سكن، فقد جمعتنا أيضاً ميادين العمل العام وخدمة الطلاب. عملنا معاً في اتحاد الطلاب خلال دورة الأخ أحمد عثمان حسن رزق، فتوليتُ السكرتارية الثقافية، بينما تولى الراحل السكرتارية الأكاديمية. وهناك عرفته عن قرب، فوجدته صاحب خلقٍ وموقف، ورجلاً يدرك معنى المسؤولية ويؤدي واجبه بإخلاص.

ومضت السنوات، وتفرّقت بنا دروب الحياة، لكن ما جمعته الأيام الصادقة لا تفرّقه المسافات ولا تبدّله المناصب.

وعندما استقلتُ من منصبي وزيراً للصحة بولاية نهر النيل، طُلب مني ترشيح من يخلفني، فلم أتردد في ترشيح أخي وصديقي الدكتور علي عبد الرحمن محمد عيسى. كنت أعرف قدراته وخبرته، فقد سبق له أن تولى منصب المدير العام لوزارة الصحة بولاية القضارف، ورأيت فيه الرجل المناسب لحمل المسؤولية. وهكذا خلفني في منصب وزير الصحة بولاية نهر النيل، في محطةٍ أخرى من محطات الثقة التي ربطتني به.

كما جمعتنا لاحقاً شراكةٌ مع آخرين في تأسيس مستشفى الهاسري الدولي بالعمارات، امتداداً لاهتمامنا بالعمل الصحي، وإيماننا بأهمية توسيع فرص العلاج وخدمة الناس.

وقبل ذلك، كان الدكتور علي من أوائل المتطوعين في متحركات حرب الجنوب، ضمن ما عُرف بصيف العبور، في صورةٍ تعكس جانباً من شجاعته واستعداده لتحمل المشاق والقيام بالواجب.

لكن ما سيبقى في الذاكرة، بعيداً عن المناصب والمسؤوليات، هو **علي الإنسان**؛ الرجل الشهم الكريم، المتواضع الذي لم تغيّره المناصب، ولم تبعده المسؤوليات عن جذوره وأهله وناسه. كان يحمل في سلوكه سماحة أهل القرى، وفي تعامله بساطة الكبار، وفي مواقفه شهامة الرجال الذين لا يتخلّون عن رفاقهم حين تشتد المحن.

ثم جاءت رحلة المرض الطويلة، فواجهها الراحل بصبرٍ وجلدٍ وإيمان. تنقّل في رحلة العلاج بين السودان ومصر والهند، حاملاً أوجاعه بصمت، ومقاوماً قسوة المرض بعزيمةٍ تستحق التقدير. وانتهت رحلته في المدينة المنورة، جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث وُوري الثرى يوم السبت العاشر من سبتمبر، في رحيلٍ أوجع القلوب وأبكى المحبين.

يا علي، يا رفيق البدايات، ويا شريك أيام الشباب والدراسة والعمل العام… كم تمنيت لو امتد بك العمر، لنلتقي مرةً أخرى، ونجلس كما كنا، نستعيد حكايات الإسكندرية، وأيام الاتحاد، وذكريات العمر التي لا يعرف قيمتها إلا من عاشها معك.

رحلتَ، لكنك تركت في القلب مكاناً لا يملؤه أحد، وفي الذاكرة صوراً لا تغيب، وفي نفوس من عرفوك سيرةً طيبةً ستظل شاهدةً على رجلٍ عاش كريماً، وأحبّ الناس، وأخلص في عمله، وصبر على بلائه حتى لقي ربّه.

إن الموت حق، والفراق سنّة الحياة، ولكن بعض الراحلين يتركون وراءهم فراغاً أكبر من الكلمات، لأنهم لم يكونوا مجرد أصدقاء، بل كانوا جزءاً من حكايات العمر الجميل.

**رحمك الله يا دكتور علي عبد الرحمن محمد عيسى، رحمةً واسعةً تليق بكرم الله، وجعل ما قدمت من خيرٍ وعطاء في ميزان حسناتك، وجعل مرضك وصبرك عليه كفارةً لذنوبك ورفعةً لدرجاتك، وجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأنزلك منازل الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.**

اللهم اجعل مقامه في الفردوس الأعلى، وألهم أهله وذويه وأبناءه ومحبيه وزملاءه الصبر الجميل والسلوان، واربط على قلوبهم، واخلفهم فيه خيراً، ولا تحرمنا أجره ولا تفتنّا بعده.

**إنا لله وإنا إليه راجعون.**

*وداعاً يا رفيق الدرب… ستظل حاضراً في الذاكرة، ما بقي في العمر متّسعٌ للوفاء، وما بقي للقلب نبضٌ وللذكريات مكان.*

**دكتور ياسر أحمد إبراهيم**

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى