
رسالة أمل ما بين بوتين والبرهان أعزُّ مكانٍ وطني السودان قراءة في دلالات الحضور السوداني موسكو ورسائل الدبلوماسية في زمن الحرب ✍🏼 أم نزار
رسالة أمل
ما بين بوتين والبرهان أعزُّ مكانٍ وطني السودان
قراءة في دلالات الحضور السوداني موسكو ورسائل الدبلوماسية في زمن الحرب
✍🏼 أم نزار
لم تكن زيارة رئيس مجلس السيادة الانتقالي القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى العاصمة الروسية موسكو مجرد زيارة بروتوكولية عابرة أو مشاركة في قمة دولية بل حملت في مشاهدها ورسائلها أبعاداً سياسية ودبلوماسية ووطنية في توقيت بالغ الحساسية يمر به السودان وهو يخوض واحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث
في موسكو كان السودان حاضراً باسمه وتاريخه وقضيته من خلال مشاركة رسمية على مستوى رئاسة الدولة في القمة الروسية الأفريقية الثالثة التي فتحت أبواب النقاش حول مستقبل العلاقات والشراكات السياسية والاقتصادية بين روسيا والدول الأفريقية
وفي لقاء الكرملين جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برئيس مجلس السيادة السوداني حضرت ملفات السيادة ووحدة الأراضي والتعاون الاستراتيجي والاستثمار والطاقة والمعادن والزراعة والتعليم والصحة وهي ملفات تتجاوز حدود المجاملات الدبلوماسية إلى اختبار حقيقي لجدية العلاقات وقدرتها على الانتقال من التفاهمات إلى المصالح المشتركة والنتائج الملموسة
ولعل من أبرز محطات الزيارة منح جامعة روسيا الحكومية للعلوم الإنسانية الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان الدكتوراه الفخرية تقديراً لدوره في تعزيز العلاقات السودانية الروسية وقد أكد البرهان أن هذا التكريم يمثل تكريماً للشعب السوداني وهي رسالة تحمل في مضمونها استحضاراً للوطن بوصفه أكبر من الأشخاص والمواقع والمناصب
حين يتحدث النشيد الوطني بلغة الانتماء
ثمة مشاهد لا تحتاج إلى كثير من الكلمات كي تترك أثرها في الوجدان
حين يُعزف النشيد الوطني السوداني نحن جند الله جند الوطن وحين يتردد صوت الوطن في مناسبة رسمية خارج حدوده وحين تتقدم كلمات أعز مكان وطني السودان على تفاصيل المشهد فإن الذاكرة الجمعية تستحضر وطناً عزيزاً مهما اشتدت عليه المحن ومهما تباعدت جغرافيا أبنائه
وتلك اللحظات بما تحمله من رمزية تعيد التذكير بأن الانتماء الوطني ليس شعاراً يُرفع في المناسبات بل مسؤولية تتجدد في أوقات الشدة وأن السودان لا ينبغي أن يُختزل في حربه أو أزماته بل يظل وطناً له حضوره وتاريخه وشعبه وتطلعاته
ومن المشاهد التي لفتت الانتباه كذلك التحية المتبادلة في مراسم الاستقبال وما حملته من دلالات إنسانية ورمزية عن احترام المؤسسة العسكرية وتقاليدها وهي تفاصيل قد تبدو بسيطة لكنها تكتسب معناها في سياق حضور الدولة ومؤسساتها
من موسكو إلى الخرطوم ماذا بعد
إن الإشادة بالمواقف الروسية تجاه السودان لا تنفصل عن أهمية المصالح المتبادلة بين البلدين ولا عن ضرورة أن تتحول المواقف الدبلوماسية إلى تعاون عملي يلامس حياة المواطن السوداني
فالسودان اليوم لا يحتاج إلى حضور سياسي في المحافل الدولية فحسب بل يحتاج إلى شراكات حقيقية تعينه على تجاوز آثار الحرب وإعادة إعمار ما دمرته واستعادة مؤسساته وإنعاش اقتصاده وتوفير مقومات الحياة الكريمة لمواطنيه
ومن هنا تبرز أهمية ما طُرح في لقاء بوتين والبرهان بشأن تطوير العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية فالمعيار الحقيقي لنجاح هذه الشراكة لن يكون في عدد اللقاءات أو البيانات المشتركة وإنما في قدرتها على إنتاج مشروعات نافعة وفتح أبواب الاستثمار وتطوير التعليم والصحة وتعزيز فرص التنمية
كما أن السودان وهو يبحث عن أصدقاء وشركاء في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعدد فيه مراكز التأثير يحتاج إلى دبلوماسية واعية تحفظ سيادته وتوازن علاقاته وتجعل المصلحة الوطنية أساساً لكل تفاهم واتفاق
السودان أكبر من الحرب وأبقى من الأزمات
إن أكثر ما يحتاجه السودانيون اليوم هو أن يروا وطنهم حاضراً في العالم بصورة تليق بتاريخه ومكانته وأن يستعيدوا الثقة في قدرة الدولة على تجاوز المحنة وأن يجدوا في تحركاتها الخارجية ما ينعكس أمناً واستقراراً وسلاماً وتنمية في الداخل
ولا يكتمل هذا الحضور إلا بتوافق وطني واسع يحفظ وحدة البلاد ويصون كرامة شعبها ويفتح الطريق أمام سلام عادل ومستدام يعيد للسودانيين حقهم في الحياة والأمان والمشاركة في بناء مستقبل وطنهم
شكراً لروسيا على استضافة الوفد السوداني وعلى ما أبدته من مواقف معلنة تجاه سيادة السودان ووحدة أراضيه وعلى ما أبدته قيادتها من استعداد لتوسيع مجالات التعاون المشترك
وفي ختام هذا المشهد تبقى الرسالة الأهم أن السودان ليس مجرد ملف على طاولة السياسة الدولية ولا رقماً في حسابات المصالح بل وطن له شعب عظيم وتاريخ عريق وحق أصيل في أن يعيش آمناً موحداً مستقراً
أم نزار
31/ أكتوبر 2026 م