
رغم حظر السلع الكمالية.. الدولار يواصل التحليق في السودان .
رغم حظر السلع الكمالية.. الدولار يواصل التحليق في السودان .
الخرطوم : تقرير الفاتح بهلول
في بلد أنهكته الحرب وأثقلت كاهل مواطنيه أزمات المعيشة و غلاء الأسعار وتراجع مروع للخدمات لم يعد المواطن السوداني يترقب القرارات الاقتصادية من زاوية الأرقام والمؤشرات فحسب بل من زاوية تأثيرها المباشر على لقمة العيش ومستقبل أسرته. و في خضم هذا المشهد المعقد جاء قرار حظر استيراد بعض السلع الكمالية وغير الضرورية كأحد الرهانات الحكومية لوقف تراجع العملة الوطنية بيد أن إستمرار ارتفاع الدولار أعاد فتح باب التساؤلات حول جدوى القرار و قدرته على معالجة أزمة تبدو واضحى للعيان أكثر عمقاً و تشابكاً من أن تُختزل في ملف الواردات وحده .
أثار قرار مجلس الوزراء السوداني رقم (74) القاضي بحظر إستيراد عدد من السلع الكمالية وغير الضرورية جدلاً واسعاً في الأوساط الإقتصادية بعد استمرار تدهور سعر صرف الجنيه السوداني وارتفاع الدولار إلى مستويات قياسية رغم أن القرار جاء بهدف تقليل الطلب على النقد الأجنبي والحد من الضغوط على سوق الصرف.
وجاء القرار بناءً على توصيات اللجنة الاقتصادية العليا و شمل حظر استيراد منتجات الألبان واللحوم المصنعة و الأسماك و البسكويت و المنسوجات والسيراميك و الرخام والأثاثات والعطور والفواكه والأرز والفول المصري وعدد من السلع الأخرى التي أُعتُبرت غير ضرورية في المرحلة الراهنة
و قد كانت حكومة الأمل تراهن على أن يؤدي خفض الواردات إلى تقليل الطلب على العملات الأجنبية ودعم استقرار الجنيه إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت استمرار صعود الدولار ما دفع مسؤولين إلى الحديث عن وجود جهات تعبث بالإقتصاد السوداني وفي هذا السياق أشار عضو مجلس السيادة و مساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن ياسر العطا ورئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى وجود محاولات تستهدف التأثير على استقرار الاقتصاد الوطني .
نجاح مشروط :
ويرى الكاتب والصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي خالد تكس أن حظر السلع الكمالية يعد من الأدوات التي تلجأ إليها الحكومات في الظروف الاستثنائية لمعالجة شح النقد الأجنبي واختلال الميزان التجاري لكنه يؤكد أن نجاح هذه السياسة مرهون بوجود بدائل محلية قادرة على تغطية احتياجات السوق ، و يضيف أن غياب هذه البدائل إلى جانب ضعف الرقابة و إتساع الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي وتعطل مؤسسات الدولة بسبب الحرب قد ساهم في تنشيط التهريب والأسواق الموازية الأمر الذي حدّ من فعالية القرار وأفقده النتائج المرجوة.
قرار متعجل :
من جانبه يصف الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي والأمين العام لاتحاد الماليين والاقتصاديين السودانيين الحسين إسماعيل أبو جنة القرار بأنه “قفزة مرتجلة في ظلام دامس” معتبراً أنه صدر كرد فعل للأزمة دون أن يحظى بالدراسة الكافية أو التنسيق المطلوب بين الجهات الاقتصادية والمالية والنقدية المختصة.
ويؤكد أبو جنة أن حظر الواردات يعد سلاحاً ذا حدين فقد يحمي الصناعة المحلية إذا تم وفق أسس فنية واضحة لكنه قد يتحول إلى عامل ضغط إضافي على الاقتصاد إذا طُبق في ظروف استثنائية كالتي يعيشها السودان حالياً.
ولفت أبو جنة إن من أبرز التداعيات المحتملة للقرار ارتفاع الأسعار والتضخم و زيادة نشاط التهريب والسوق السوداء علاوة على تراجع عرض بعض السلع الأساسية فضلاً عن ارتفاع المخاطر على النشاط الاقتصادي وتفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين.
و أشار الخبير أبوجنة إلى وجود بدائل أكثر فاعلية تتمثل في ترشيد الاستهلاك عبر زيادة الرسوم الجمركية على السلع الكمالية بدلاً من حظرها بالكامل ودعم المصانع الوطنية بقروض ميسرة بالإضافة لتفعيل دور المواصفات والمقاييس و تنشيط اتفاقيات التبادل التجاري مع دول الجوار .
اعتراضات القطاع الخاص :
في المقابل يرى رئيس الغرفة القومية للمستوردين الصادق جلال الدين صالح أن الوقائع والأرقام أثبتت فشل قرار حظر السلع في تحقيق أهدافه المعلنة مُضيفاً أن الغرفة كانت قد حذرت مسبقاً من آثاره السالبة على الأسعار وسعر الصرف مما ينعكس سلباً على إيرادات الدولة .
ولفت صالح أن الأزمة الحقيقية لا ترتبط بالواردات وحدها وإنما بالمضاربات و الطلب المتزايد على العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف الاستيراد مؤكداً أن حظر السلع قاد إلى نتائج عكسية تمثلت في تقليص المنافسة و ارتفاع الأسعار وزيادة نشاط السوق الموازية ، مؤكداً أن السلع المشمولة بالحظر تمثل نسبة محدودة من إجمالي الواردات لكنها تسهم بجزء معتبر من الإيرادات الجمركية والضريبية .
و كشف رئيس الغرفة إلى أن مرور نحو شهر على تنفيذ القرار كشف عن ارتفاعات ملحوظة في أسعار السلع المشمولة بالحظر و أن ذلك يعكس الحاجة إلى مراجعة السياسة الحالية والبحث عن حلول تعالج جذور الأزمة الاقتصادية بدلاً من الاكتفاء بإجراءات تقييد الاستيراد .
أزمة تتجاوز الواردات :
وتشير أراء خبراء إقتصاديين إلى أن أزمة سعر الصرف في السودان تبدو أعمق من أن تُعالج عبر قرارات حظر الاستيراد وحدها إذ ترتبط بعوامل تشمل تراجع الإنتاج والصادرات وضعف المؤسسات الاقتصادية و تداعيات الحرب على النشاط التجاري والاستثماري ، بينما كان الهدف من القرار حماية الجنيه السوداني وتقليل الطلب على الدولار، فإن استمرار ارتفاع سعر الصرف يطرح تساؤلات جدية حول جدوى السياسة الحالية ويعزز الدعوات إلى مراجعة القرار و إخضاعه لتقييم إقتصادي شامل يراعي واقع الاقتصاد السوداني وتعقيداته الراهنة
الأمن الاقتصادي ومواجهة المضاربات :
في ظل استمرار تدهور سوق الصرف وتذبذب أسعار السلع الضرورية تتزايد الدعوات إلى تعزيز دور الأمن الاقتصادي بإعتباره أحد المرتكزات الأساسية لحماية الاستقرار المالي والنقدي في البلاد يفتح المجال لنجاح أي سياسات إصلاح اقتصادي بما في ذلك قرارات ضبط الاستيراد تقود إلى قدرة الدولة لكبح جماح المضاربات في سوق العملات والسلع بالإضافة لمواجهة الشبكات التي تستغل الفجوات الاقتصادية لتحقيق أرباح سريعة على حساب استقرار السوق .
لقد بات واضحاً أن نشاط المضاربين في السوق الموازية أحد أبرز العوامل التي تغذي ارتفاع سعر الصرف وتفاقم التضخم الأمر الذي يجعل من تفعيل أدوات الأمن الاقتصادي وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الرقابية والمالية والأمنية ضرورة ملحة للحد من هذه الممارسات .
و يبرز في هذا الإطار تشديد دور الرقابة على حركة النقد الأجنبي ومكافحة التهريب و ضبط الأسواق إلى جانب حماية سلاسل الإمداد من التشوهات باعتبارها عناصر أساسية في أي استراتيجية تهدف إلى استعادة التوازن الاقتصادي .
يخلص الأمر إلى أن معالجة الأزمة الاقتصادية لا تكتمل بالإجراءات النقدية أو التجارية وحدها بل تتطلب منظومة متكاملة يكون فيها الأمن الاقتصادي شريكاً محورياً في حماية الاستقرار وردع الأنشطة غير المشروعة التي تضعف قيمة العملة الوطنية وتؤثر مباشرة على معيشة المواطنين .
الخاتمة :
وبين مطرقة الحرب وسندان التدهور الاقتصادي يظل المواطن السوداني الحلقة الأضعف في معادلة تتسارع فيها الأزمات وتتراجع فيها القدرة الشرائية يوماً بعد آخر في الوقت الذي فيه تتباين الآراء حول قرار حظر الواردات بين من يراه ضرورة فرضتها الظروف ومن يعتبره خطوة متعجلة، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن استقرار الاقتصاد لن يتحقق بقرارات جزئية أو مؤقتة بل برؤية شاملة تعيد بناء الثقة في مؤسسات الدولة وتفتح الطريق أمام الإنتاج و الاستقرار والتنمية فهي الغايات التي يتطلع إليها السودانيون قبل أي شيء آخر .