
روشتة في بريد الاسرة … اختصاصي الصحة العامة /اسماء قسم الله «« من أرض المعركة إلى بشرة الإنسان »»
ان الوجه المنسي لتأثير الألغام على الصحة الجلدية عندما نتحدث عن الألغام وذخائر الحرب المتفجرة، فإن الصورة الذهنية الأولى هي غالبًا الانفجارات المدمرة، فقدان الأطراف، والوفيات المأساوية. لكن هناك وجه آخر وأقل وضوحًا لهذا الرعب الصامت، وجه يزحف بخفاء من أرض المعركة إلى بشرة الإنسان: إنه التأثير السام لهذه المخلفات على الصحة الجلدية، مسببة أمراضًا قد لا تقتل، لكنها تُشوّه وتُعذّب من ينجو من فخاخها.
في مناطق مثل الخرطوم، حيث خلفت النزاعات الأخيرة ترسانة من الألغام والقذائف غير المنفجرة، يعود السكان إلى منازلهم ويواجهون ليس فقط خطر الموت المباشر، بل أيضًا تهديدًا خفيًا يطال أكبر عضو في جسم الإنسان: الجلد.
كيف تترك الألغام بصماتها السامة على الجلد؟
لا يقتصر الضرر الجلدي الناتج عن مخلفات الحرب على الإصابات المباشرة من الشظايا أو الحروق الناتجة عن الانفجار. بل يتجاوز ذلك ليشمل مجموعة من التأثيرات غير المباشرة والسامة مثل التلوث الكيميائي والمعادن الثقيلة التي تحتوي الألغام والمتفجرات على مكونات كيميائية سامة ومعادن ثقيلة (مثل الرصاص، الكادميوم، الزئبق، ومركبات المتفجرات مثل TNT و RDX). عندما تنفجر هذه الذخائر أو تتآكل في التربة، تتسرب هذه المواد إلى البيئة التلامس المباشر: يمكن أن يتلوث الجلد عند التلامس المباشر مع التربة الملوثة بهذه المواد، أو عند لمس المخلفات نفسها عن طريق الخطأ.
* الامتصاص عبر الجلد: الجلد ليس حاجزًا منيعًا بالكامل؛ فبعض هذه المواد السامة يمكن أن تُمتص عبر المسام أو الشقوق الصغيرة في الجلد، وتدخل إلى مجرى الدم، مما يؤثر على الصحة العامة للجلد والأعضاء الداخلية. يمكن أن يؤدي التعرض المزمن لهذه المواد إلى مجموعة من المشاكل الجلدية مثل تهيج واحمرار وحكة، وقد يتطور إلى طفح جلدي أو بثور عند التلامس المتكرر مع الملوثات وتتفاقم حالات الأكزيما الموجودة، أو ظهورها لأول مرة لدى الأشخاص المعرضين، بسبب استجابة الجسم للمواد السامة كمهيجات أو مسببات للحساسية وقد تسبب بعض المعادن الثقيلة تغيرات في تصبغ الجلد (فرط أو نقص التصبغ) أو تؤثر على مرونته،ويؤدي ضعف الحاجز الواقي للجلد بسبب التلف الكيميائي يجعله أكثر عرضة للإصابة بالعدوى البكتيرية والفطرية و التعرض طويل الأمد لبعض المركبات الكيميائية الموجودة في المتفجرات قد يزيد، على المدى البعيد، من خطر الإصابة بأنواع معينة من سرطانات الجلد، على الرغم من أن هذا يتطلب دراسات معمقة.
ان نقص النظافة: في المناطق المتأثرة بالنزاع، يؤدي تدمير البنية التحتية إلى شح المياه، مما يعيق النظافة الشخصية ويجعل الجلد أكثر عرضة للتلوث والالتهابات وبالتالي التوتر والقلق الدائمين الناجمين عن العيش في بيئة ملوثة ومحفوفة بالمخاطر يمكن أن يؤثرا سلبًا على صحة الجلد ويضعفا الجهاز المناعي، مما يجعل الجلد أكثر عرضة للمشاكل، إن التأثيرات الجلدية للألغام لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام مثل الإصابات الصادمة، لكنها تترك أثرًا عميقًا على جودة حياة الناجين. إنها تسبب الحكة، الألم، التشوه، وقد تؤثر على تقدير الذات وتعيق الاندماج الاجتماعي. كما أنها تضيف عبئًا على أنظمة الرعاية الصحية المتهالكة بالفعل.
التعامل مع هذا الوجه المنسي من إرث الحرب يتطلب تطهير شامل للأراضي بإزالة الألغام وبقايا المتفجرات بشكل كامل لضمان بيئة آمنة للمواطنين.و إجراء فحوصات طبية للمقيمين في المناطق الملوثة، وتوعيتهم بمخاطر التلوث الكيميائي على الجلد والصحة العامة و دعم المراكز الصحية لتشخيص وعلاج الأمراض الجلدية الناتجة عن التعرض للمواد السامة.
إن الخطر القادم من أرض المعركة لا يقتصر على الانفجار المباشر، بل يمتد ليصبح سمًا يزحف ببطء نحو بشرة الإنسان، ليُذكّرنا بأن الحروب لا تنتهي بوقف إطلاق النار، فآثارها الخفية تستمر في التغلغل في حياة من ينجو منها.
ودمتم بصحة جيدة