
سفارة السودان بالقاهرة.. من فخامة المبنى إلى امتحان الخدمة محمد عثمان الرضي
سفارة السودان بالقاهرة.. من فخامة المبنى إلى امتحان الخدمة
محمد عثمان الرضي
◆ ليست كل الأبنية حجارةً وأسمنتاً، وليست كل السفارات أعلاماً ترفرف فوق بواباتها. أحياناً يكون المبنى رسالة، وتكون التفاصيل لغة، ويصبح المكان نفسه شاهداً على احترام دولة لمواطنيها. ومن هنا كانت زيارتي اليوم لسفارة السودان بالقاهرة مختلفة.
◆ بدعوة كريمة من سفير السودان لدى جمهورية مصر العربية، السفير عماد الدين عدوي، توجهت اليوم الأحد التاسع من أغسطس 2026 إلى مقر السفارة السودانية الجديد بحي التجمع الخامس بالقاهرة.
◆ ومنذ الوهلة الأولى، كان واضحاً أن السودان غادر مبنى الدقي إلى فضاء آخر؛ فالمقر الجديد ليس مجرد عنوان جديد للسفارة، وإنما نقلة عمرانية وإدارية تستحق التوقف عندها.
◆ وللحق، فإن مقر السفارة الجديد أكثر ملاءمة وهيبة وقدرة على استيعاب طبيعة العمل من المقر القديم الذي ظل لسنوات لا يعكس، في تقديري، الصورة التي ينبغي أن تكون عليها سفارة دولة عريقة مثل السودان.
◆ التجمع الخامس لم يمنح السفارة موقعاً جديداً فحسب، بل منحها مساحة تستطيع من خلالها أن تؤدي رسالتها بصورة أكثر انفتاحاً وتنظيماً واستيعاباً للأعداد الكبيرة من السودانيين.
◆ فالسفارة في القاهرة ليست بعثة دبلوماسية بالمعنى التقليدي وحده؛ إنها اليوم واحدة من أكبر نقاط التماس بين الدولة السودانية ومواطنيها خارج البلاد.
◆ ملايين التفاصيل تمر من هنا؛ جوازات، وثائق، شهادات، معاملات، حالات إنسانية، مشكلات قانونية، وملفات مواطنين وجدوا أنفسهم في مصر بعد أن دفعتهم الحرب إلى مغادرة الوطن.
◆ ولذلك فإن تصميم المبنى ليست مسألة شكلية. المواطن الذي ينتظر ساعات لإنجاز معاملة يحتاج إلى مكان يحفظ كرامته، والموظف الذي يعمل تحت ضغط يحتاج إلى بيئة تساعده على أداء واجبه.
◆ ومن هذه الزاوية، فإن المقر الجديد يبدو مؤهلاً للقيام بهذه المهمة، ومهيأً لاستقبال أعداد كبيرة من المراجعين، مع توفير قدر مناسب من الراحة والخدمات.
◆ وإذا كان لكل سفير بصمة يتركها في مسيرته، فإن هذا الصرح الجديد سيكون بلا شك من أبرز البصمات المرتبطة بفترة السفير عماد الدين عدوي في القاهرة.
◆ لكنني لا أريد أن أرتكب خطأ شائعاً: أن نحكم على السفارة من واجهتها فقط. فالفخامة الحقيقية لا تسكن الجدران، وإنما تظهر عندما يقف المواطن أمام شباك الخدمة.
◆ وفي جولتي داخل أقسام السفارة، التي جاءت بتوجيه من السفير عدوي واصطحبني خلالها القنصل بخاري حبيب، رأيت وجهاً آخر للسفارة؛ وجه العمل اليومي الذي لا تلتقطه الكاميرات.
◆ مكاتب تعمل، وملفات تتحرك، ومراجعون يتوافدون، وموظفون يتعاملون مع قضايا متعددة ومتباينة، وكل ذلك في ظل واقع استثنائي فرضته الحرب السودانية.
◆ والكمال لله وحده، لكن الانطباع الذي خرجت به أن العاملين بالسفارة يبذلون جهداً مقدراً في سبيل تقديم الخدمات القنصلية والتعامل مع التدفق الكبير للمواطنين.
◆ غير أن حجم التحدي أكبر من قدرة أي موظف منفرد، لأن القاهرة أصبحت خلال سنوات الحرب واحدة من أهم الوجهات التي لجأ إليها السودانيون بحثاً عن الأمان والاستقرار.
◆ وهنا يبرز ملف آخر شديد الحساسية، هو ملف السودانيين الذين دخلوا الأراضي المصرية بصورة غير نظامية، ثم وجدوا أنفسهم أمام إجراءات قانونية تتطلب تدخلاً قنصلياً لاستخراج الوثائق اللازمة.
◆ مئات الحالات تصل إلى السفارة في ظروف مختلفة، ويكون المطلوب في كثير منها استكمال الأوراق الثبوتية تمهيداً لاستكمال الإجراءات القانونية الخاصة بالعودة إلى السودان.
◆ وهذا الملف وحده كفيل بأن يضع أي بعثة قنصلية أمام اختبار يومي قاسٍ: كيف تقدم الخدمة، وتحافظ على النظام، وتتعامل مع الحالات الإنسانية، في آن واحد؟
◆ وفي هذا السياق، لفت انتباهي الحضور المستمر لوكيل ناظر عموم قبائل البني عامر في مصر، الشاب أحمد لقز، ومتابعته لقضايا أبناء قومه ومشكلاتهم.
◆ وقد يرى البعض في هذا الحضور شأناً أهلياً، لكنه في واقع الأمر يعكس أحد أدوار الإدارة الأهلية في متابعة شؤون أبناء مجتمعها، خصوصاً عندما تتعقد الظروف وتتداخل الملفات.
◆ وفي قطاع الجوازات، كان حضور رئيس بعثة الجوازات بالسفارة، العقيد شرطة وليد سيد، جزءاً من المنظومة المختصة بملفات الوثائق والجوازات.
◆ كما استوقفني الأداء اللافت للرائد شرطة نصر الدين الكدقري، الذي وصل حديثاً إلى السفارة لمباشرة مهامه، واستطاع خلال فترة قصيرة أن يترك انطباعاً إيجابياً بحضوره ونشاطه في أداء عمله.
◆ والإنصاف يقتضي القول إن السفارة الناجحة لا يصنعها السفير وحده، ولا القنصل وحده، ولا موظف بعينه؛ وإنما تصنعها منظومة متكاملة يعمل كل فرد فيها في موقعه.
◆ وما رأيته خلال الجولة يؤكد أن حجم العمل داخل السفارة أكبر بكثير مما يتخيله المواطن الذي لا يرى سوى لحظة استلام معاملته.
◆ ثم جاءت المفاجأة التي تستحق التأمل: من خلال المعايشة والمشاهدة الميدانية، بدا واضحاً أن حجم السودانيين الذين دخلوا مصر بصورة غير رسمية كبير للغاية مقارنة بمن دخلوا عبر الإجراءات الرسمية.
◆ وهذه ليست مسألة أرقام عابرة؛ إنها واحدة من إفرازات الحرب التي خلقت واقعاً سكانياً وقنصلياً جديداً، وجعلت بعثات السودان في دول الجوار أمام مسؤوليات لم تكن موجودة بهذا الحجم من قبل.
◆ ومن هنا، فإن السفارة السودانية بالقاهرة تواجه معركة من نوع آخر؛ معركة خدمة المواطن، وحفظ الوثائق، ومعالجة الملفات، والتنسيق، والاستجابة لمئات القصص الإنسانية التي تصلها كل يوم.
◆ المقر الجديد قد يكون عنواناً فخماً، لكنه سيصبح إنجازاً حقيقياً فقط عندما تتحول فخامته إلى خدمة أسرع، وتنظيم أفضل، وتعامل أكثر مرونة، وكرامة محفوظة لكل سوداني يدخل من بوابته.
◆ وفي نهاية الجولة، خرجت بانطباع لا يحتاج إلى كثير من الزخرفة: هناك جهد كبير يُبذل، وهناك عمل يستحق التقدير، وهناك في المقابل تحديات ضخمة تحتاج إلى مزيد من التطوير والمتابعة.
◆ فالسفارة التي تليق بالسودان ليست تلك التي يدهشك مبناها عند الدخول، وإنما تلك التي تخرج منها وأنت تشعر أن دولتك كانت حاضرة إلى جوارك؛ والمقر الجديد وضع العنوان، أما الامتحان الحقيقي فقد بدأ الآن.