
سياحة في ادب حالحكم والسياسة قرأت لك عن الحرمات و الحريات بقلم د أمين محمود محمد عثمان
سياحة في ادب حالحكم والسياسة
قرأت لك عن الحرمات و الحريات
بقلم د أمين محمود محمد عثمان
هذه قراءة لفقرات في كتابي ( الحكم الرشيد ، تنميط لحكم يهتدي بالقيم الإسلامية، في فقرة الحريات و الحرمات ) فنقرأ
ان من مبررات قيام الدولة قيام السلطة والمجتمع معا لانهاء واحتواء النزاعات حرصا على عدم هدم فكرة العيش معا في سلام. ما يعني وضع كوابح على تصرفات الإنسان بالتشريعات ومنعه الإنطلاق من فكرة وسلوك الملاءمة الذاتية لما هو صائب وما هو خطأ إلا بما فيه اليقين عرفا او قانونا أنه الصواب.. ليأتي السؤال أفلا تعد تلك الكوابح تدخلا في الحرية الفردية؟ فالاجابة نعم بكل تأكيد.. لنستخلص ان الحرية او الطلاقة لا يمكن أن تكون مطلقة وإلا صارت هادمة للحياة وللعيش معا ..
وعليه يثور سؤال تال ، ما هو حد المعروف في طلاقة وحرية الإنسان في الحياة؟
في الإسلام ،هناك العديد من التكاليف تأسست على الحرية الشخصية التي كانت مفهومها هي عدم تملك جهة امتلاك حرية الإنسان في التصرفات الصادرة منه من دون اعتراض سيد تملك بوجه من الوجوه كافة تصرفات ذلك الإنسان كسيد له ..
لذلك جعل الإسلام الحرية مناط التكليف في العديد من الفروض حتى لا يتجشم الإنسان ما لا يطيق..
وعلى الرغم من انتهاء مظاهر استعباد الإنسان للإنسان بالوجوه القديمة للاستعباد فإن الإنسان اليوم ما زال بعيدا من عدم رهن حريته لغيره اما لماله او لسطوته.. ذلك أن التأثير الجبري باستغلال حاجة الإنسان او التأثير على عقله لا يمكن اغفاله في سلوكيات اعاداد مهولة من البشر. فالبشرية اليوم تقع تحت نمط جديد من العبودية سواء بسلب الإرادة والخضوع لأمر السيد، او هي خاضعة لصورة مستجدة من تجارة الرق بكل دواعي الاسترقاق..
فمضمون الرق كاستغلال وجبر لفعل ما لا يرغب فيه الانسان عند توافر الحرية الاتم ظاهرة لا يمكن انكارها.. فكثير من العمال لا يحصلون على المقابل المكافئ لجهدهم فيرضون بالفتات المفاء لهم من المخدم المتحكم عليهم بحوجتهم، وللأسف يكون هذا المستعبد في أغلب الأحيان الدولة نفسها..
فمن أمثلة الاستعباد الجديدة خضوع بعض الجيوش لعقيدة طاعة الأوامر الصادرة إليهم جبرا ولو كانت مخالفة لمعايير الحق والباطل الفطرية.. لأن إرادة الجنود لم تعد حرة بعد أن قايضوها بالمال مقابل إطاعتهم لأوامر قاداتهم حتى ولو خالفت القانون او صوت الضمير الخفي.. هؤلاء يعاملون كعبد أبق يخاف الحكم العقابي ويخاف فقدان وظيفته مصدر رزقه وعياله..
يقول برهان غليون في كتابه بيان من أجل الديموقراطية ( في الدول العربية استعمار داخلي، استعباد خلف الاستعمار الأجنبي، فمكن مجموعات قليلة عائلية او مصلحية منشقة من المجتمع ومعادية له، من احتلال جميع مواقع القرار والأنفراد بالسلطة والتحكم بمصير الشعب واخضاعه لتحقيق مصالحها الخاصة )..
ومن صورها في العلاقات الدولية اخضاع الارادات الوطنية للاملاءات الأجنبية تحت التهديد بالتدخل العسكري او بالمقاطعة الإقتصادية والسياسية فبدا الكون وكأنه مدار بحكومة ظل خفية تتحكم في الدول.. فهذه جميعا صور لسلب الإرادة الحرة للإنسان وقهره واخضاعه لتنفيذ اوامر تلقى عليه ممن نصب نفسه سيدا وقيما عليه..
يقوم مفهوم الحرية في الإسلام على فكرة الإستقلال في ارادتي الفعل والعقل لما فيه الخير العام ورفض الإملاء الذي لا يتوافق مع المصلحة العامة.. فيقرر الإسلام أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وعلى فكرة التكافل منعا للاستغلال بالحوجة فيحرر الإنسان من ذل الحاجة.. فالمال مال الله والإنسان مستخلف على مال الله ويتصرف في المال وفق مراد الله في حفظه وكسبه وصرفه، فلا يكون سببا لاستذلال انسان آخر ..
أما عقل الإنسان فيجب ان يظل حرا من مذهبات العقل وأن يتعهد بالانماء بالمعارف والتعلم فلا يخضع للغرائز الشهوانية ولا بالأهواء المضلة تجهيلا ولا استغفالا ..
إن من المفهوم أن معصية الله تكون باتباع الإنسان للسلوك الذي يحول دون ٱداء الإنسان لوظيفته في الحياة بإعمار الكون .. فافعال الإنسان معايرة على مقاصد إعمار الحياة التي هي التعبير الآخر لتحقيق الإنسان العبودية لله وحده.. فالله أعطى الإنسان حريته ليفعل ما يختار بعد ما بين لهم الصواب والخطأ وكلفه بمقاومة الأوامر التي يصدرها الطغاة مصادرين حريات الناس ودافعين له للافساد في الأرض ..
لقد عمد جون استوارت مل استدراكا لقوله ( أن ترك الناس لحالهم سيجعلهم أكثر سعادة من تقييدهم بقيود المجتمعات، فقال إن الحرية المطلقة ستقود إلى تجريب العنف ) وعزز جيمس فيتجيمس ستفن رأيه هذا بالقول ( إن مل كان على خطأ عندما اعتقد ان إعطاء الحرية للناس ربما سيقودهم إلى تجريب العنف ، انتي اؤكد أن التحرر من تدخل الآخرين في شئون الفرد سيؤدي إلى العطالة والزهد من الحياة ).. وعلى الرغم من هذا الجدال بين فلاسفة الغرب بالخلوص إلى أن وجود حدود معلوم بالضرورة للحرية تعد قواعد اساسية للحرية وتتعلق احداثها بعدالة منع الجريمة وضربوا بذلك مثلا تداول السموم وترك الأطفال واولياءهم احرارا ليتعلم او لا يتعلم الأطفال..
الحرية الشخصية تحمل اربع رؤى ، رؤية حول طبيعة الفلسفة السياسية، ورؤية حول القيم السياسية، ورؤية حول المجتمغ السياسي الأمثل، واخيرا رؤية حول قاعدة وأصول الحقوق والواجبات.. فالحرية الشخصية غالبا ما تعطي صورة مزيف لطبيعة الإنسان وتطلعاته ولعلاقاته الاجتماعية فتدمر الرؤية التي يمكن أن يصل إليها الإنسان عن طريق السياسة.. عموما ان حرية الفرد تنتهي عند التماس مع حرية الآخر.. بمعنى حينما يتعدى على حرية الآخرين…
د. أمين محمود محمد عثمان
20 سبتمبر 2026 م