الأخبارالأعمدة

شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com  شراكة النيل: تعليمٌ يبني ومستقبلٌ يوحد

شيء للوطن

م.صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

شراكة النيل: تعليمٌ يبني ومستقبلٌ يوحد

إن المتأمل في مسيرة الشعوب يدرك يقيناً أن التعليم ليس مجرد فصول دراسية وكتب تُحفظ، بل هو العمود الفقري لنهضة الأمم، والرهان الرابح في أوقات الأزمات. وفي ظل التحديات الجسيمة التي تعصف بالمنطقة، يبرز التعاون التعليمي بين السودان ومصر كنموذج حيّ لوحدة المصير، وتجسيداً للمقولة المأثورة: “العلم يبني بيوتاً لا عماد لها، والجهل يهدم بيت العز والكرم”.

لقد جاءت التحركات الدبلوماسية والتعليمية الأخيرة في القاهرة لتعكس رؤية استراتيجية تتجاوز البروتوكولات الرسمية إلى فضاءات العمل التنفيذي الملموس. إن لقاء القمة التعليمي الذي شهدته العاصمة المصرية مؤخراً، لم يكن مجرد تبادل للتحايا، بل كان “ورشة عمل” كبرى لبحث سبل ترميم وتطوير العقل البشري السوداني في مهجره الاضطراري، مع الاستناد إلى الخبرة المصرية العريقة في تطوير المناهج ونظم التقييم.

ترتكز هذه الشراكة على إرث تاريخي ضارب في القدم، حيث يمثل النيل شريان الحياة والجغرافيا، بينما يمثل التعليم شريان المستقبل. إن السعي لتشكيل لجان مشتركة لتطوير التعليم الفني ونظم الامتحانات يعكس إدراكاً عميقاً بأن “يد الله مع الجماعة”، وأن التكامل في بناء المناهج وتأهيل المعلمين هو السبيل الوحيد لخلق جيل قادر على إعادة إعمار ما دمرته الظروف القاسية.

لقد تجلت أسمى معاني الأخوة في التسهيلات التي تقدمها الشقيقة مصر للطلاب السودانيين، وهي مواقف تُكتب بمداد من نور في سجل العلاقات الأزلية. فالتعليم في الغربة ليس مجرد تحصيل أكاديمي، بل هو حبل النجاة الذي يربط الطالب بهويته ووطنه، وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية السودانية في الخارج كمنارات للوعي والتميز.

في قلب القاهرة، تقف “مدرسة الصداقة السودانية” كشاهد على الإرادة الصلبة. إن الزيارات التفقدية واللقاءات الميدانية التي شملت أروقة هذه المدرسة، والمباني الإدارية، وأنظمة التحول الرقمي مثل “نظام الصداقة الإلكتروني”، تؤكد أن التعليم السوداني لا يسعى فقط للبقاء، بل للتطور والمواكبة.

إن التوجيهات الرسمية بضرورة تحسين البيئة التعليمية وتخفيف الأعباء المالية عن كاهل الأسر السودانية، خاصة فيما يتعلق برسوم الامتحانات، تلمس جرحاً غائراً وتداويه بروح المسؤولية. فالحكمة تقول: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”، ومن أوجب الرحمة في هذه المرحلة هو تيسير سبل العلم للأجيال التي يعول عليها في معركة البناء القادمة.

لا يمكننا الحديث عن النجاح دون استصحاب التحديات؛ فترتيبات امتحانات الشهادة السودانية بمستوياتها المختلفة (الابتدائية والمتوسطة والثانوية) في بلاد المهجر تتطلب تنسيقاً فائقاً وجهوداً مضاعفة لضمان استقرارها ونزاهتها. إن الإصرار على قيام هذه الامتحانات في مواعيدها وبجودة عالية هو رسالة للعالم بأن السودان، رغم الجراح، لا يزال يقدس القلم، ويؤمن بأن “رأس المال الحقيقي هو الإنسان المتعلم”.

إننا نتطلع إلى أن تفضي هذه التفاهمات إلى إعادة تأهيل شاملة للمؤسسات التعليمية السودانية بالاستفادة من التجربة المصرية في “التعليم الفني” و”الرقمنة”، وبناء القدرات عبر برامج تدريبية مكثفة للمعلمين السودانيين لمواكبة أحدث طرق التدريس العالمية، لضمان استدامة التعاون من خلال اللجنة المشتركة لضمان ألا تظل القرارات حبيسة الأدراج، بل واقعاً يلمسه الطالب في فصله الدراسي.

ختاماً، إن ما يجمع بين الخرطوم والقاهرة في ميدان التعليم هو استثمار في المستقبل، وتأكيد على أن المصائب تجمع المصابين وتوحد جهودهم. وكما قيل قديماً: “من فتح مدرسة، أغلق سجناً”، ونحن اليوم نفتح آفاقاً للتعاون لنغلق أبواب اليأس والجهل أمام أبنائنا. إنها دعوة للتفاؤل، وعمل دؤوب يثبت أن “النيل” لا يحمل الماء فقط، بل يحمل الأمل والحضارة من جيل إلى جيل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى