الأعمدة

شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com 

شيء للوطن

م.صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

 

حلول متكاملة لظاهرة “الريكشا” والانتقال المستدام نحو المركبات الكهربائية والهجينة في السودان

 

بقلم: م. صلاح غريبة

مهندس ميكانيكي تخصص سيارات

 

تُشكل وسائل النقل خفيفة الوزن ثلاثية العجلات، والمعروفة محلياً بـ “الريكشا” أو “التوك توك”، إحدى أبرز ظواهر النقل الحضري والريف في السودان خلال العقدين الأخيرين. وعلى الرغم من دورها الملموس في سد الفجوة التمويلية والتشغيلية في قطاع نقل الركاب والبضائع، وتوفير فرص عمل لشرائح واسعة من الشباب، إلا أنها باتت تُشكّل عبئاً هندسياً، واقتصادياً، وبيئياً.

إن معالجة الأزمة الراهنة لا تكمن في الحظر العشوائي أو الإقصاء المباشر، بل تتطلب رؤية هندسية واقتصادية شاملة تُعيد صياغة قطاع النقل الخفيف، وتكفل الانتقال السلس والمستدام نحو المركبات الكهربائية والهجينة، بالاستفادة من القواعد الصناعية والخبرات التراكمية الوطنية التي تمثلها مجموعة جياد للصناعات الهندسية.

من منظور التخصص الميكانيكي، تُعاني معظم عربات الريكشا المنتشرة حالياً في الشوارع السودانية من اختلالات فنية تشمل: انخفاض كفاءة المحركات وتلوث البيئة، تعتمد أغلب المركبات على محركات الاحتراق الداخلي الصغيرة ذات الأشواط الثنائية أو الرباعية ذات الكفاءة الحرارية المنخفضة، مما يؤدي إلى زيادة معدلات الانبعاثات الكربونية والغازات الضارة (CO, HC, NOx)، فضلاً عن التلوث السمعي الناتج عن ارتفاع مستويات الضوضاء، بالإضافة إلى تدني معايير الديناميكا والأمان، بافتقار الريكشا ثلاثية العجلات لأنظمة التعليق والتوازن المتقدمة يجعلها عرضة للانقلاب في المنعطفات الحادة أو عند السير على الطرق غير المعبدة، إلى جانب تدني صلابة الهيكل الخارجي (Chassis) وحماية الركاب في حالات التصادم، بجانب الهدر الاقتصادي للطاقة: استهلاك كميات كبيرة من الوقود الأحفوري المستورد أو المدعوم في رحلات قصيرة ذات كفاءة نقل منخفضة، مما يضغط على ميزان المدفوعات ويزيد من حدة أزمات الوقود المتكررة.

لتحقيق عملية التحديث والتطوير، يتوجب تطبيق استراتيجية تدريجية مبنية على آليات تشمل: الانتقال التدريجي والتحول نحو العربات ثلاثية وأربعية العجلات الكهربائية (EVs)، باستبدال منظومات الحركة (Powertrain Retrofitting) وتقديم خيار تحويل عربات الريكشا التقليدية إلى كهربائية عبر استبدال المحركات الحرارية بمحركات كهربائية تعمل بالتيار المستمر أو المتردد (BLDC / PMSM) مدعومة ببطاريات الليثيوم أو الفوسفات (LiFePO4) ذات المدى الممتد والشحن السريع، مما يعني خفّض تكلفة التشغيل والصيانة، فتتيح المركبات الكهربائية خفض تكاليف الصيانة الدورية بأكثر من 60% لغياب الأجزاء المتحركة المعقدة (المكبس، علبة التروس، أنظمة العادم)، إضافة إلى انخفاض تكلفة الشحن مقارنة بالوقود التقليدي.

إدخال العربات صغيرة الحجم (3 ركاب) الكهربائية والهجين (Micro-EVs & Hybrids)، والتي تعتمد من ناحية التصميم والتركيب الهيكلي على سيارات صغيرة الحجم بـ 4 عجلات أو 3 عجلات محسّنة تستوعب (3 ركاب + السائق) مع مقصورة مغلقة توفر السلامة الهيكلية وشروط الأمان، مع نظام تعليق مستقل ومستشعرات توازن، وعلى المنظومات الهجينة (Hybrid Powertrains)، فيُعد الخيار الهجين (بنزين – كهرباء) حلاً هندسياً انتقالياً مثالياً للولايات والمناطق التي تُعاني من التذبذب في الشبكة الكهربائية القومية؛ حيث يضمن المدى الطويل مع تقليل استهلاك الوقود والانبعاثات.

تُمثل شركة جياد للسيارات ومجموعة جياد للصناعات الهندسية الذراع التصنيعي والتقني الأصيل لقيادة هذا التحول التكنولوجي في السودان، وذلك عبر أدوار استراتيجية تشمل، من حيث التجميع المحلي والتصنيع المباشر (CKD / SKD)، إقامة خطوط إنتاج وتجميع متخصصة للمركبات الكهربائية الهجينة والصغيرة بالتعاون مع الشركاء المطورين دولياً، مع التركيز على رفع نسبة المكون المحلي وتصميم هياكل متينة تناسب بيئة الطرق في السودان.

حلول الطاقة المستدامة ومحطات الشحن بتوفير حزم الشحن الشمسي (Solar-powered Charging Stations) بالاشتراك مع قطاع الطاقة والمسبك الهندسي في جياد، لتأمين نقاط شحن مستقلة عن الشبكة القومية في المواقف الرئيسية والأسواق، والتمويل الهندسي والتمكين الاقتصادي بطرح برامج إحلال وتجديد شاملة بالتعاون مع البنوك والمؤسسات التمويلية لتسهيل استبدال الريكشا القديمة بمركبات كهربائية أو هجينة بنظام التمويل الأصغر و الأقساط الميسرة لمُلاك المركبات.

من حيث التدريب والتأهيل الفني، ضرورة تأسيس مراكز صيانة وتأهيل الكوادر السودانية على تقنيات التشخيص الإلكتروني، وصيانة البطاريات والمحركات الكهربائية، لضمان استدامة الخدمة وسلامة التشغيل، والاستفادة من خبرات مهندسي السيارات والفنيين.

التوصيات والتنظيم التشريعي، بوضع ضوابط مرورية وصناعية صارمة تحدد المحاور الرئيسية الممنوع دخول الريكشا التقليدية إليها، وتخصيص خطوط سير محددة للمركبات الكهربائية والصغيرة.

الحوافز الجمركية والضريبية بخفض أو إلغاء الرسوم الجمركية والضرائب على مكونات المركبات الكهربائية والهجينة ومعدات شحنها لتشجيع الانتقال السلس، وإرساء مواصفات قياسية سودانية للمركبات الكهربائية خفيفة الوزن بالتنسيق بين الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس والمهندسين المختصين ومجموعة جياد.

إن التحول المخطط نحو “المركبات الكهربائية والهجينة خفيفة الوزن” يمثل فرصة تاريخية للعبور بالسودان من عشوائية النقل الخفيف إلى منظومة حديثة وصديقة للبيئة ومجدية اقتصادياً. ويتطلب هذا التحول تضافر جهود السلطات التنظيمية والمرورية مع الخبرات الهندسية والصناعية الوطنية المتمثلة في صرح “جياد” لتأمين حراك حضري آمن ومستدام.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى