
صولة يراع الغابات والتأمين الصحي زراعةُ العافية على الطريق بقلم : عبدالجليل حاكم…
صولة يراع
الغابات والتأمين الصحي
زراعةُ العافية على الطريق
بقلم : عبدالجليل حاكم….
ليس الطريق مجرد إسفلتٍ يصل مكاناً بمكان، ولا الشجرة مجرد ساقٍ وأغصانٍ وظل.
أحياناً يكون الطريق ذاكرةً للمدينة، وتكون الشجرة رسالةً يكتبها جيلٌ لجيل.
وحين تتجاور الشتلات على جانبي الطريق، فإنها لا تصنع مشهداً أخضر فحسب، وإنما ترسم ملامح مدينةٍ نريدها أكثر جمالاً، وأكثر صحةً، وأكثر تصالحاً مع بيئتها.
من هنا جاءت مبادرة إدارة التأمين الصحي بغرس أشجار المانجو على الطريق الرئيسي، ضمن الاستعدادات لاحتفالات هيئة الغابات بعيد الشجرة الثالث والستين.
مبادرةٌ تستحق أن نتوقف عندها قليلاً.
فأن تأتي مؤسسةٌ يرتبط اسمها بصحة الإنسان، فتضع يدها في يد مؤسسةٍ معنية بالغابات، وتلتقي الإرادة الصحية بالإرادة البيئية، فذلك يعني أن مفهوم الصحة قد تجاوز أبواب المستشفيات، ليصل إلى الشارع والحديقة والطريق والبيئة التي يعيش فيها الإنسان.
ربما لم يكن اختيار المانجو مصادفة.
فشجرة المانجو قريبة من الوجدان، مألوفة في البيئة، جميلة في حضورها، سخية في عطائها. تبدأ صغيرة، ثم تمضي في صمت نحو المستقبل؛ تكبر ولا تستعجل ثمرها، وتمنح ظلها حتى لمن لم يشارك في غرسها.
وهكذا هي المبادرات الجميلة.
قد يبدأها أشخاصٌ بأيديهم، لكن ثمارها تكون من نصيب مجتمعٍ كامل.
اليوم شتلة على الطريق، وغداً صفٌ أخضر يظلل العابرين، وبعد سنوات قد تصبح هذه الأشجار جزءاً من ذاكرة المكان، شاهدةً على مبادرةٍ آمنت بأن المدينة لا تُبنى بالحجر وحده، وإنما تُبنى أيضاً بالشجر.
إن التشجير الحضري ليس ترفاً جمالياً.
إنه أحد مكونات المدينة التي نريدها.
مدينةٌ تتنفس، وتستظل، وتقل فيها مظاهر الغبار، ويتحسن فيها المشهد البصري، وتصبح طرقها أكثر إنسانيةً وراحةً وجاذبية.
فالترقية الحضرية الحقيقية لا تعني أن نوسع الطرق ونشيد المباني فقط؛ بل تعني أن نمنح الإنسان بيئةً تليق بحياته.
ومن هنا يصبح الطريق المشجر أكثر من مجرد ممرٍ للمركبات؛ إنه مساحةٌ بصرية وبيئية، وعنوانٌ للمدينة، ورسالةٌ للداخل إليها والخارج منها،
نعتبر الغابات والتأمين الصحي… شراكة من أجل العافية
أجمل ما في هذه المبادرة أنها تفتح باباً لفلسفةٍ أوسع:
أن تتشارك المؤسسات في صناعة الصحة العامة.
فالغابات تحمي البيئة، والتأمين الصحي يحمي الإنسان، لكن بين الاثنين مساحةٌ مشتركة اسمها العافية.
العافية التي لا تبدأ عند وصفة الطبيب فقط، وإنما تبدأ من الهواء الذي نتنفسه، والبيئة التي نعيش فيها، والطريق الذي نسلكه، والمدينة التي نريد أن نتركها لأبنائنا.
ولذلك فإن عبارة:
«زراعة العافية على الطريق»
ليست مجرد عنوانٍ أدبي؛ إنها اختصارٌ لفكرةٍ تنموية كاملة.
تحيةٌ لأصحاب الفكرة… وأهل الخضرة
وفي هذه المساحة الخضراء من «صولة يراع»، لا بد من تسجيل شكرٍ خالص وتقديرٍ مستحق للدكتور أبوبكر الصديق، مدير التأمين الصحي؛ ذلك الشاب الهمام، المبدع والمبادر وفريق عمله الأبيض، الذي اختار أن يترجم الأفكار إلى فعل، وأن يجعل لمؤسسته حضوراً يتجاوز حدود اختصاصها إلى فضاء المجتمع والبيئة.
والشكر يمتد إلى الدكتور يوسف سليمان وفريق عمله الأخضر، الذين حملوا الفكرة بروحٍ عملية، وجعلوا من الغرس فعلاً حاضراً على الأرض، لا مجرد شعارٍ في مناسبة.
وتحيةٌ خاصة للصديق المشارك الدكتور محمد دوكة، مدير مصرف الادخار، الذي شارك في هذه المبادرة إيماناً منه بأن خدمة المجتمع لا تكون بالتمويل وحده، وإنما بالمشاركة في صناعة مستقبله.
كما تمتد التحية إلى المستشار أحمد الجاك، رئيس الجمعية التعاونية لحي الروابي، بما يمثله حضور المجتمع المحلي من معنى مهم؛ فالشجرة التي تغرسها المؤسسات تحتاج إلى مجتمعٍ يحرسها ويرعاها حتى تكبر.
في تقديري ان رسالة هذه المبادرة تترك لنا عبرة وهي
ربما نغرس اليوم شجرةً ولا نعرف من سيجلس تحت ظلها بعد عشرة أعوام.
لكن هذه هي أجمل فلسفة في الغرس:
أن تفعل شيئاً جميلاً لمستقبلٍ لن تسألَه إن كان يعرف اسمك.
فلنغرس.
نغرس على الطرقات، وفي الأحياء، وحول المؤسسات، وفي المدارس والميادين.
ولنجعل من عيد الشجرة الثالث والستين أكثر من مناسبةٍ عابرة؛ نجعله محطةً لتجديد العهد مع البيئة، ومع المدينة، ومع حق الأجيال القادمة في فضاءٍ أخضر وصحي وجميل ومثمر في ذات الوقت.
فما أجمل أن يلتقي طبيبُ الصحة بطبيبِ البيئة؛
الأول يبحث عن عافية الإنسان،
والثاني يرعى عافية المكان،
وبينهما…
شجرةٌ تُغرس، وطريقٌ يخضر، ومدينةٌ تتنفس.
وعابر يقطف ثمرة.
الغابات والتأمين الصحي…زراعةُ العافية على الطريق.
والله المستعان.
ولليراع صولات أخر
tournasi8@gmail.com