
عبد الرحيم أبو ذكرى … شاعر الرحيل في الليل أشعاره .. سيرة حياته..
عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم (أبو ذكرى) كما عرف لاحقاً، شاعر و اديب سوداني، جمع مواهب أخرى كالترجمة والكتابات الثقافية والحوار والعمل الصحفى الادبى اضافة لتميزه الاكاديمى.
ولد بقرية تنقاسي السوق مركز مروي عام ( 1943)
درس الاولية والوسطى بكوستي ،وفيها تشكلت الملامح الأولية لاتجاهاته الأدبية والروحية إذ عرف بنهمه للمعرفة كما عرف بتردده اليومي على مكتبتي المدرسة.
والثانوي بخور طقت.
تم قبوله بجامعة الخرطوم كلية الآداب في عام 1963م. .. وواصل اهتمامه بالأدب والثقافة وأصبح عضواً برابطة أدباء الجامعة. .. وكان معروفاً لدى زملائه بالشفافية والرهافة.
في عام 1965م وفي ظل ظروف بالغة التعقيد و في أوج (تحالف اليمين). خرج أبو ذكرى بنص (أمير المؤمنين) وأثرت هذه القصيدة واستجلبت غضب جماعات كثيرة وعلى رأسها جماعة الميثاق الإسلامي. وقد استهدفت القصيدة الرمز القديم لأمير المؤمنين في ظل الرفض العارم للدستور الإسلامي. (سنستعرض النص الذي خلق حملة عدائية موجهة ضد الشاعر من قبل جماعة الميثاق الإسلامي). ترك عبد الرحيم أبو ذكرى جامعة الخرطوم وكلية آدابها متجهاً إلى الاتحاد السوفيتي (سابقاً).
ذهب إلى روسيا للمرة الأولى عام 1966م و ألتحق بجامعة الصداقة بموسكو حيث حصل على درجة الماجستير في اللغة والآداب الروسيين عام 1971م. ودبلوم الترجمة بين الروسية والعربية بدرجة إمتياز عام 1971م أيضا.
وفي عام 1973م عاد أبو ذكرى إلى السودان وعمل بوزارة الثقافة والإعلام .
وفي نفس العام صدر له ديوانه الأول (الرحيل في الليل) إصدار دار جامعة الخرطوم للنشر. وتميزت فترة ما بعد عودته من روسيا بإنتاج ثر في الملاحق الثقافية كالجرائد والمجلات والإصدارات الثقافية شعراً ونقداً وترجمة “ملف الأيام الثقافي محكمة الأيام الأدبية – مجلة الثقافة السودانية (سكرتيراً للتحرير ومشرفاً 76 19_ .1978) – مجلة الخرطوم” كما كانت لديه أعمال أخرى في إصدارات عربية مجلة الشعر المصرية، مجلة الشعر لوتس، الهلال المصرية وغيرها.
عمل استاذاً غير متفرغ بكلية الآداب جامعة الخرطوم قسم الترجمة، ولكن سرعان ماشد الرحال الي موسكو لمواصلة الدراسات العليا والتحق بمعهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية. حيث نال درجة الدكتوراه في فقه اللغة وكان موضوع الرسالة (في خصائص الترجمة من اللغة الروسية نظرياً وعملياً في أدب انطوان تشيخوف وترجماته منذ عام 1904-1987م).
نجد أن حياته كانت مكرسة للمعرفة والانهماك في دقائق الترجمة حتى أنه يمكننا دون شك أن نطلق عليه أنه كان عالماً فيلولوجياً كما شهد بذلك أساتذته الروس .
تميزت حياته في موسكو بإنتاج كثيف على مستوى الترجمة فقد ترجم لمايكوفسكي و نوادر دمبارزي و ماريا فيسيلوفا و سيرجي يستنن و باسترناك بالإضافة إلى أعلام الفكر الروسي بوشكن وتشيخوف الذي أفرد له أبو ذكرى كامل رسالته للدكتوراه. هذا بالإضافة إلى تنظيره الخاص عن الترجمة طرائقها و أساليبها . و شارك أبو ذكرى في إحدى دور النشر اللامعة (نوفستي) ولا ننسى متابعته ومساهماته التي كانت تنشر في السودان وخارجه وهو هناك في روسيا.
توفي د. عبد الرحيم أحمد عبد الرحيم أبو ذكرى بتاريخ 16 أكتوبر 1989م في صباح لم تستبن ملامحه بعد إذ ألقى بنفسه من شرفة شقته التابعة لأكاديمية العلوم السوفيتية و التي كانت تطل على شارع استروفياتفا من الطابق الثالث عشر وكان سقوطه و ارتطام جسده عنيفاً بين الرصيف والأعشاب على جانب الطريق. وبعد أن اكتملت إجراءات عودة جثمانه للوطن كان في تشيعه عدد كبير من الناس (أهل، أقارب، أصدقاء).
تعرض الأستاذ كمال الجزولي في كتابه (أبو ذكري نهاية العالم خلف النافذة) لتدهور حالة ابوذكري النفسية في اخر ايامه ، مستعينا بشهادة عدد من أصدقائه و مشرفه في رسالة الدكتوراه البروفسور شافال. كما عقد الجزولي مقارنة بين ابوذكري و الأديب الروسي (مايكو فسكي) الذي كان لكتاباته اثر كبير في اغلب ابناء الجيل من مبدعي اليسار الذين درسو بموسكو.
نستلهم من كمال الجزوالى عن انتحار المرحوم الشاعر عبد الرحيم أبو ذكرى الذى انقذف من مبنى عال بموسكو .. ولم يمنع حرج المسألة المعلوم الجزولي من الخوض فى موت أبى ذكرى من حالق بكلمة مكتوبة بماء الحساسية وهى الكلمة التى قال كمال إنها من فروض ولائنا لأبى ذكرى، و أضاف انه من حقه علينا أن نأخذ المهمة العسيرة التى لابد منها و هي تحرى اغتياله بجدية و ألا نسمح ( بانتزاع واقعة انتحاره من مجرى التاريخ الأدبى فى السودان لتقبر فى طوايا الحياء الاجتماعى المتخلِّف والنجوم الخاصة المحضة ولا خير فى كثير منهما ) .
أمير المؤمنين..
شعر/ عبد الرحيم أبو ذكرى
هذا أمير المؤمنين
حذاؤه في يده تأدبا في حضرة المهنئين
وذقنه كبيرة سوداء تخيف المشركين
ومسبحته تحميه من مساخر المنافقين
وحوله الشورى (وأهل السر) من عباد الله الصالحين
الوزراء فوق رأسهم ذبيبة الصلاة
يحاربون كل معتد أثيم بالذقون
ويحمل الوزير (طارة) إلى الوزارة
ويدخل المبخرون صالة الخليفة الميمون
يهمهمون أو يسلمون أو يحوقلون
يحدث الساسة أن الكون كفار ومسلمون
وقانتون يعبدون الله أو منافقون
الدين تن الدين تن الدين تون
الخانعون الخرعون الإخوان المسلمون
في جنة الله وتحت عرشه مخلدون
وقرب أنهار الفراديس منزلون
والنار والزقوم والقسلين
والموت والجحيم واليحموم للمناضلين
والاشتراكيين لهم أسفل سافلين
يا حاجبي يا حاجب الخليفة الهمام
أدخل ذوي الحاجات للحكام
عشرون يوما وأنا يا حاجب السوء بلا أحكام
أريد أن أضرب بالسيف رؤوس الكفرة واللئام
وانثر الغض للقوم على شريعة الإسلام
آه تذكرت فأنت قد قتلتهم يا أيها الضرغام
لأنهم يستخرجون الماء من بحيرة الغرام
ويأكلون طيب الطعام
ويختلون بالبنات في الأحلام
وأنهم تندروا عن ذقن خليفة الإسلام
وأنت لو أذكر ناديت الجنود في الظلام
فأعملوا فيهم شباه الصارم الصمصام
هذا جزاء ما يقترفون من آثام ضد خليفة الإسلام
لا لصوص لا لا حكام
إذا فناد لي النديم والحجام لأنني أود أن أفاجئ
القيان في الحمام.
15 أكتوبر 1965
كتب بشري الفاضل:
فضائيات عبد الرحيم أبوذكرى..
تتخلل الصور الكونية حيث المجرات باجسامها الواقعيى والمتخيلة الكثير من قصائد الشاعر الراحل عبدالرحيم ابوذكرى. وكنت في منتصف الثمانينات قد قدمت محاضرة بمنتدى الفلاسفة في كلية الآداب بجامعة الخرطوم بعنوان فضائيات ابي ذكرى .كنت المح في شعر أبوذكرى الفضائي هذا نزوعاً للتمامي عن رهق ما يكابده من أوصاب في حياته وهو ما اشار له الشاعر الكاتب كمال الجزولي بحق في كتابته التذكارية “أبوذكرى ؛ نهاية العالم خلف النافذة” في الكتاب الصادر عن دار تراث ودار العلوم عام 2005 حين قال ” لقد ظل ابوذكرى مشدوداً دائماً، وبقوة روحية هائلة، إلى الأعالي بكل ما فيها وما يحيط بها من مفردات ومعاني ، إلى السماوات و الكواكب والفضاءات اللامحدودة التي كانت تشكل لديه المعادل الموضوعي (للإنعتاق) أو حلم (الوجود المغاير) الذي عاش يتحرق توقاً إليه”.
في قصيدة (هدهدة)مفتتح ينبهنا على هذا النزوع لدى الشاعر على الفضاء فالمطر الذي ينثر رذاذه السماوي مخترقاً الشارع فالسياج تم تصويره بكاميرا ترصد ذلك الهطول من عل كما لو أن الشاعر يصور لنا ذلك المشهد وهو يحلق فوقه.
أما في قصيدة (المجذوب أخذ زهور حياته ورحل)التي سبق لي أن القيتها نيابة عن الشاعر وبحضوره في منتصف الثمانينات في تابينية المجذوب بجامعة الصداقة بموسكو فتظهر لنا بجلاء إضراب الشاعر عن العالم الذي يراه كئيباً بالصورة المغايرة حيث يرى مجذوبه هناك في دروب المجرات:
أمس بعد المغيب
سرت أبغي الدروب القصية
أترحل في عالم الميتين الرهيب
عالم الخرس والصامتين
وطواني جناح عظيم
في دروب المجرات بين النجوم
حيث تشخص تلك الثلوج العجيبة
وارتطام أشياء كونية الإصطدام
حيث لا صوت لا صمت لا جاذبية
كان شيخي هناك
جامعاً في معيته الأمن والعاصفة
وحين تترك حالة ذهاب الحبيبة المباغت في فم الأنا الشاعرة في القصيدة التي جاءت بعنوان الهزيمة في ديوان الرحيل في الليل “ملمس الشفاه المرة”لا طعمها فحسب يتطلق الشاعر في ثورة غضبه المفا جئة إلى فضائياته المثيرة :
وثورة على الغيم انا
وتجديف على الملائكة
مرتطم بحائط هنا
مرتطم بنجمة هنالكا
والارض والسماء تسقط الجبال والشهب
وتشعل النيازكا
وفي قصيدة (ليس عن الحب) تحدثنا ألانا الشاعرة صراحة عن سمائها الغريبة تلك التي :
اتأملها في الخفاء
وأحدثها ساهماً في المساء
وحين يناجيها يتحدث الشاعر عن رفقتهما معاً حيث يغشيان النجوم البعيدة :
ثم نرحل بين الحزون ونهبط فوق النيازك
فتحاصرنا النار تحت التخوم القديمة
لكن الشاعر يفصح عن الصورة المقابلة التي تقض مضجعه:
ونقاتل هذا الزمان القبيح
في حشانا
في خطانا
و نحز براثنه القاتلة
و هنا تستسلم الأنا الشاعرة لإحدى أكير انهياراتها:
يا سمائي الدخان الدخان
صار سقفاً لنبضي ونبضك
حائطاً خامساً في المكان
جيفة في الرياح تفوح
السماوات والحب ليست هنا
والهواء المعطر ليس هنا
انظري !
كلما نمنح الأرض من قلبنا
تصبح الأرض منفى لنا
ولأشواقنا.
الإقلاع والطيران في فضائيات أبي ذكرى:
إنتقال الصورة الشعرية عند عبدالرحيم ابوذكرى للوحات الفضائية يتم فجأة وتحس عندها كأن الشاعر يتملكه الغضب ويوشك أن يحطم قصيدته من هذا الإمثلاء بالحنق ففي حين كان الترجي بالإنتظار يمضي هادئاً في “الرحيل في الليل” :
(في الدهاليز القصيات انتظرني
في العتامير وفي البحر انتظرني
إنتظرني في حفيف الاجنحة)
وما يلبث أن يصعد الشاعر بسلم نحو السماوات ومرقاه هنا الطيور في حركتها .
و كتب الأستاذ محمد أحمد يحى فى الفصل الخاص بشعر أبى ذكرى ما يلى :
بعرض عام لأصوات الشعر عند مجايلي أبو ذكرى وتحديداً إبان دخوله جامعة الخرطوم، نلاحظ وجود النزعة الرومانسية وارتباطها بالتيارات الشعرية العربية (الدراسة الرومانسية). وأيضا تيارات الواقعية الاشتراكية .. ومن ابرز شعراء تلك الفترة من الواقعيين الشاعر جيلي عبد الرحمن و الشاعر محمد المكي إبراهيم و الشاعر محمد عبد الحي و محي الدين فارس و صلاح احمد إبراهيم و محمد المهدي المجذوب وعالم عباس .. هذه هي الأسماء التي كانت غور الساحة الثقافية بنصوصها، ولم يكن أبو ذكرى بعيداً عن هذا وذاك بل انه قد تناول إنتاج هذه الأسماء نقداً وتحليلاً وإعجاب .. بالإضافة إلى أن أبو ذكرى خلال تواجده بالخرطوم إبان دراسته الجامعية كان في القلب تماماً للحلقات الإبداعية وشخوصها فكان عضواً برابطة أدباء جامعة الخرطوم كما كان عضواً في أميز مجموعة ثقافية متمردة (أباد أماك).
فأبو ذكرى اذن لم يكن بعيداً عن الشعر الحر اللاعدمي والمنحاز بطبيعة الحال إلى تيارات الواقعية ..ومن السهل جداً مصافحة ذلك في ديوانه الشعري الأول (الرحيل في الليل) الذي صدر عام 1973م والذي قال عنه صاحبه في غلافه الخارجي :
(اؤمن بالبساطة في تركيب الشعر ان كانت البساطة تؤدي الى أسر التجربة الشعرية كاملة والى تعميق فهمنا للعالم ولأنفسنا وإلا .. فلا بساطة ولا يحزنون.)
والذي قال في إهدائه :
(إلى الشجرة الصغيرة التي تنمو في داخل كل منا متخطية إطار الجسد و محدودية الحياة وخمول الآخرين.)
إذاً نحن أمام شاعر يعتقد في تركيب الشعر بالبساطة و في تعميق فهمنا للعالم مناديا لتجاوز الآني والعابر محاربا الموات والخمول. ومن أميز قصائد الديوان (ص55) نص بعنوان (أكتوبر 64) وهذا عنوان واضح الدلالة:-
الأربعاء يوم نحدق فيه في فيض انبهار
كيف يدفق فوقنا الخيرات … يا ذاك النهار
كيف انتفضت؟ وكنت يوم الثأر كيف
الليل يبطئ في المسير وبقرب مستشفى العيون
دوت صفافير قصار وتوقفت ست من العربات
يزحمها جنود قفزوا كأعمدة ذوو الخوذ الثقال
الحق كانوا خائفين
في الظلمة الظلماء كانوا خائفين
لكنهم ظهروا كمكبسة ثقيلة.
ومن قصائد الديوان أيضا نص (قسوة) (ص70) حرب صارخة ضد القبح والموت والسأم.
هيا دع المشبوهين والموتى
الذين يشتلون الزمن القميء في الساحات
دعك من الآفاق هذه المشتبهات
والأماكن التي مللناها
الأماسي التي بصقناها
تعال نفتح القبر الآن
تعال نفتح القبر لها
بكل قبحها بكل مرضاها.
ونمضي مع الديوان والذي هو باكورة إنتاج الشاعر ونشاركه الصراخ في نص (الرسو في كوكب الظلام) (ص62)
يا زمن الحشود والسلاح والسماسرة
يا زمن العواهر المراهقات
يا زمن المساومات
ان كان هذا عصرنا فإنني أهجم في ضراوة عليه
وإنني (من بعد إذنكم) أبول فوقه أزدريه.
أصرخ فيه .. لا..
لو هجم التتار : لا
للنوم والراحة : لا
للابتذال : لا
للسقوط : لا.
والصورة الشعرية عند أبو ذكرى تتميز بالشفافية والخيال المنفلت، والمفردة الشعرية في الصورة: الطيور، الطيران، الأجنحة، النيازك الخ .. ويلاحظ القارئ بلا شك العائلة اللغوية والدلالية التي تنتمي إليها هذه المفردات : والتي وردت في أغلب نصوص دواوينه (الرحيل في الليل) والتي تتميز بالانفلات ومفارقة الواقع المألوف ، فأبو ذكرى وصوته الشعري يتمتع بقوة جذب لا نهائية لعوالم تخلق منها انجذابه. ومجذوب الخطاب وصاحبه إلى تلك العوالم. فالمفردة الشعرية لدى أبو ذكرى تعبر عن المتخيل لديه ودلالة هذه المفردات في بحثها عن الغائب الغير موجود الذي ظل أبو ذكرى يعبر عن افتقاده له مناداة وتمني.
على المستوى الثاني فالتركيب الشعري لدى أبو ذكرى ذا خصوصية هادئة تكتسي ملامحها بملامح أبو ذكرى الحنين الدائم والبحث المضني والرهيف للمفتقد
.. لي سماء غريبة أتأملها في الخفاء
وأهدهدها ساهماً في المساء
(ليس عن الحب) .
ومن نفس النص:-
لماذا نحب الجباه التي لم تطلها قدم
والأماني التي بعد لسنا نراها
وفي (البوابة والدم)
قال طير حزين افتحوا لي بوابتي المغلقة
افتحوا لي افتحوا لي
دثروني بريشي القديم
زملوني بحلمي الهشيم
ونقرر ببساطة متناهية أن الطائر الحزين هو شاعرنا أبو ذكرى بمعنى يمضى ذات النص فيقول:
غير أن الطيور الكبيرة
الطيور الجسورة
نفضت ريشها ثم طارت
والسماوات فارت وغارت
الطيور هنا هي الآخرون . أما الطائر:
وجم الطير في برده واعتداده
وتغطى بوحدته وانفراده
وطويل سهاده
حالماً ان يطير
ولكن بلا أجنحة
أن يسود الفضاء
ولكن بلا أسلحة.
و ليس هنالك أوضح من هذا في التعبير عن الذات ونعتقد أن هذه الأبيات ترسم معالم واضحة للجغرافية الروحية لأبي ذكرى.ونمضي في الإبحار في ديوانه الأول، وللتدليل على ما نقول عن العوالم الشعرية والانفلات
انتظرني في حفيف الأجنحة
وسماوات الطيور النازحة
و قت تنهد المدارات
و تسوَد سما البارحة
انتظرني…
والجدير بالذكر أن المقطع أعلاه في نص (الرحيل في الليل) الذي يحمل اسم الديوان. وهذا النص في تقديرنا يمثل إشارة لا يمكن تجاوزها، إذ أن أبو ذكرى لم يتخير اسم هذا النص عنوانا لديوانه جزافا وذلك لما يحمله النص من دلالات مشحونة بالحنين الخاص والمرارة بالإضافة إلى أنه يمثل قمة السلم التصاعدي لانفلات المفردة لديه.
حين زارتني بواكير الخريف
كان صيفي جامدا
وجبيني باردا
و سكوني رابضا
فوق البيوت الخشبية
مخفيا حيرته في الشجر
وغروب الأنهر
وانحسار البصر
ومن اللافت للانتباه أن الأستاذ الراحل (مصطفي سيد احمد ) قد تخير من بين قصائد هذا الديوان هذا النص تحديدا ليتغنى به.
وتستمر هذه الإشارات في البزوغ في مجموعته الشعرية الثانية (العصافير تتعلم الطيران) والتي لم تحظى بالنشر..
يقول عنها أبو ذكرى .( هي قصائد غنائية ( ليركال) لكن ارتباطها بالدراما سيكون أحد النقاط الهامة جدا أننا نستفيد من إمكانات لصور واللوحات الدرامية وهذا اتجاه ظهر منذ ديواني الأول الرحيل في الليل ). إن العصافير تتعلم الطيران محاولة مستمرة للإنفكاك والانطلاق نحو عوالم انتظرها وظلت شغلي الشاغل، إنها تعبر عن مقدرة الإنسان علي التخطي المستمر وعن ثباته ودأبه وصبره ، إنها تتجاوز الشعر إلى الدراما وربما الفلسفة.)
وقلنا إن استمرارية هذه الإشارات وارتباطها بالسياق الأساسي لأبي ذكرى ومفرداته الشعرية المجذوبة دوما إلى البعيد ، نلاحظ هكذا:
أين أنت أيتها المجرات البعيدة
تعالى إلى قلبي يا سكة التبانة
تعال أيها الطريق اللبني نمشي عليك
بين أبراج النجوم العالية
فإلى متى نعيش في عهود النجوم السوداء؟
في مقابر الضوء؟ في مشانق النور؟)
وجلي للعيان ثبات الإشارات والجذب في المجموعة الثانية. ونمضي في ذات النص
آتي إلينا هنا بمجرة صغيرة
خذينا على ظهر مذنب صغير
أو حتى خيط شعاع واحد وحيد
ينبض يبرق يتلألأ
يشق طريقه عبر الفراغ الفضائي الهائل
ولا يمكننا أن نتجاوز اثر وانفتاح أبو ذكرى على حضارات وثقافات ومكونات وجدانية من خلال استغراقه في التراجم لأدباء ومفكرين وشعراء عظام على خطابة الشعري تخصيباً ودراية وتمكن، هذا بجانب المفاضلة والتأني والتدقيق في المفردة الشعرية ودلالات اللغة (الأسطورة، الرمز، التاريخ…)
ومما تقدم نجد ان الخطاب الشعري لأبي ذكرى في كافة تكنيكاته، وحتى محاولاته للقصيدة النثرية (حوار مع الظلمة حوار مع النور) قد كُرس للوحدة والحزن والوحشة ، فبالإضافة إلى ما سبق ذكره عن دلالات المفردة الشعرية عند أبو ذكرى (الكواكب، الانجم، الوحدة، الطيور…) نجد ان نصوصه لا تكاد تخلو من الإشارات الواضحة والعالية للأسى والافتقاد. ويمكننا ان نمر سريعاً على عناوين قصائده في ديوانه الأول (الرحيل في الليل) ونلاحظ (البوابة والدم – ليس عن الحب – قسوة – الحزن حزنان.. وغيرها…) ولا يخفى على قارئ مستنير الوصول إلى دلالات هذه العناوين، بالإضافة إلى عناوين أخرى في ديوانه (العصافير تتعلم الطيران، حوار مع الظلمة… وغيرها). وأكثر العناوين إشراقا وتفاؤلاً لدى أبو ذكرى نص بعنوان (سعادة) يكاد يشكل وحده اختلافاً واضحاً عن المناخ العام لأبي ذكرى.
مختارات شعرية تضمنتها مجموعته (العصافير تتعلم الطيران) وبعضها بمسوداتها الأساسية بخط يد الشاعر نفسه.
مقدمة للمختارات الشعرية
إن من يقرأ شعري لا يحتاج إلى عالم في الفلسفة أو الأدب أو التاريخ أو السيكولوجي لكنه يجب أن يمتلك مناخاً معيناً وحساسية تجاه الكلمات وثقافة ووعياً مناسبين وبعض الخيال .. فالقارئ يعد مشاعره أثناء قراءة القصيد وحيث ينتهي منها يكون قد تغير قليلاً ولو بنسبة واحد إلى المليون ليس هذا ادعاء أنه شئ يحدث خفية ولهذا قد لا يلاحظه القارئ نفسه.
حوار مع أبي ذكرى
جريدة الأيام 19/12/ 1975م
_
العصافير تتعلم الطيران
الروح تسبح في البروق
الجسم يلهبه الشروق
بعض النجوم هنا ستوقد
بعض الشموع هنا ستولد
” هل سوف يسطع ضوءها القاني
ويجتاح الحدود؟”
يا أيها الطير الذي كنا نريد
يا أيها الطير الذي كنا نشاهده
يحلق في البعيد
هل تبصر الإيراق والإشراق
في الأفق المديد
جارين كنا ذات يوم وافترقنا
نبعين كنا في الفيافي وانحسرنا
الحال لا يخفى عليك
حالي أنا حال الطريد
حال القعيد
حال المكبل بالقيود
تنمو الصحارى أينما يمشي
وتنطبق القيود
الحال لا يخفى عليك
وأنت ترحل كل يوم
موغلاً خلف الحدود
منذ الصباح إلى المساء
وفي الخريف وفي الشتاء
(يا أيها الطير الكنود)
الحال لا يخفى عليك وأنت ترحل
في الأقاليم القصية
تاركاً قلبي وراءك في الحديد
الآن هاأنذا أحاول أن أطير
مثل العصافير التي تتعلم الطيران
لكن الجناح
رخو وشوق القلب يبعد ألف ميل
الطوق في رفق تمد ذراعنا
خلف الضباب
الطوق نهر في اليباب
مثل العصافير التي تتعلم الطيران
هاأنذا أحاول أن أطير
وأنت لي
كالأم زقزقة وشقشقة
وتشجيعاً ولمساً بالجناح
(الضعف في الريش الصغير
والروح جسر في العبير)
يا طائرى وبضربة أو ضربتين
ادفع بساقي خطوتين
حرك جناحي كرتين
هبني قواك لليلة أو ليلتين
لأحسني تحت السماء غمامة
ولأحسني بين النجوم كأنني القمر المنير
الأفق حولي يستدير
يشع في حلم البداية
الكون رحب والسماء تموع في غنج الغواية
اليوم ينقطع الزمان
سحقاً لأيام الطفولة والكهولة
الأمس وهم والذي يأتي ضباب في ضباب
افرد جناحي للرحيل
حتى الوصول
أو الممات
أو النعيم
أو الجحيم
حوار مع الظلمة
يا حبيبتي
وحل ظلامٌ ظالمٌ
في المجرة
خيل لك فيه أن كل شئ يصارع
سيخر صريعاً لا محالة
وأن أصوات التساقط والتلاطم
(الأصوات المقلقة التي تسمعينها من مخبأنا)
دليل على أن كل ذي عزيمة قد أصيب في مقتل
وأن الأرض والكواكب والنيازك والبروج
قد تحولت
إلى حجارة ميتة
تتجه لترتطم مفزعة
بالشمس المظلمة القاحلة المتجمدة
لكنك حين أمعنت النظر
يا حبيبي
وصح منك العزم
وثبت الجنان
وتعلمت الإنصات
لما أنبهم من الأصوات
وقال لك حكيم:
قفي وانظري!
أليست هذه الشموس الساطعة الساطعة
والنجوم الباهرة الباهرة
والغيوم السديمية الرائعة الرائعة
تشع من بين عينيك أنت
معلنة بدايات جديدة
ومشاعل لم تمت جذوتها يوماً
وأن لا شئ يفنى إلاّ ليعود
في زي آخر
وزمن آخر
وأن كل هذا العذاب
هو مفتتح سيمفونية قادمة
وأنباء غير هذه سوف تأتي
وأننا لا نسير إلى نهاية الزمان
وأننا سنسمع طبلاً له صوت جديد متفرد
لن يسمعه أحد
إلا في المستقبل القريب البعيد
ذلك الحكيم قال لك
فوقفت واعتدلت يا حبيبتي
تعيدين ما انقلب
تعدلين ما انكفأ
تسيرين فوق عشب ارض المليون
تعاسة مربعة تشعلين ما انطفأ فيها
تسيرين في عزم
تحت عمائم نخيلها
بين قبعات أكواخها الواطئة
المصنوعة من القش
تمشين في الغيظ واللهب
بين الحفاة والمتعرين إلى وسطهم
بين الموتى والأحياء في حقول الباباي
والأحياء الموتى تحت مصابيح السماء
بين المشاعل التي ما ماتت
جذوتها بعد يوماً
والمواقد التي في طريقها إلى الاشتعال
هل تذكرين أن ذلك الحكيم
قال لك يا حبيبتي
يا بدر البدور
يا شمس النهار
هل تذكرين؟
فبراير 1983م
حوار مع الظلمة .. حوار مع النور
حولك يا حبيبتي
ظلام كثيف مطبق
ظلام يمكننا أن نمسكه باليدين
ظلام له نتوءات
وقمم يكللها الجليد الأسود
ظلام نتكئ عليه فلا نقع؛
وعتمات نخوض فيها
فتدفعنا إلى الوراء
وتصطدم أقدامنا بها فنتعثر ونقع
سمعتك تقولين لنفسك؛
“على كل إنسان أن يرتب بيته فقط
أن يشق طريقه وحيداً
إن الأشياء – أشياؤك أنت فحسب
ولن تفعلها إلا أنت في وحدتك وانفرادك
فالطائر يبني عشه هو
لا عش جاره
والتوجه الى عابري الطريق المسرعين
الى الجار العابس الوجه
مضيعة للوقت
وكل إنسان له كوة ضيقة
ينظر منها
ما اصعب ان يعيش الإنسان
وراء حائط محيط سميك
يرى خلفه إلتماعات غامضة
وأشباح لا شكل لها
وكوابيس ومآقي مفقوءة
سمعتك تقولين لنفسك:
أين أنت أيتها المجرات البعيدة
أين أنت يا سكة التبانة
يا طريقنا اللبني القديم الطيب
يا أبراج السماء
ويا مسافاتها الهائلة
إلى متى نعيش في عهود الثقوب السوداء
في مقابر الضوء ؟
في مشانق النور ؟
أيها الكون المترامي
الظاهر والخفي
أرسل إلينا نجماً !
أرسل إلينا كوكباً !
أرسل ولو مذنب صغير
أو حتى خيط شعاع واحد
يبرق يتلألأ
ينبض يتوهج
يشق طريقه
عبر الفراغات الفضائية الهائلة
إلى كل نافذة مغلقة
في هذه المدينة المنسية
مدينتي ومدينتك
خرائبي وخرائبك
الى كل باب موارب
أرسل .. أرسل …!!
فنحن سنبدأ دربنا
… أقدامنا قد بدأت تدق الطريق
أرسل قبل أن نتخبط في الظلمة
فلم نعد نستطيع الانتظار
ولا بد من ضوء يأتي يتوسط الطريق
لا بد من شعلة تأتي في العتمات
من شعاع يبرق في الظلمة …
لا بد من …
لا بد من …
لا بد من …
سعـــادة
من خلل السحاب يشرئب
قمرٌ وليد
في الطرق المنطفئات
يستحث الخطو رجل وحيد
في داخلي ، في مدنٍ في داخلي،
يعزف مزهر سعيد
فالجبل الذي يضى في البعيد
والأفق الممدود
لا بد أن يخرج
من حنايا رجل سعيد
من حلمه
يقظته
من ذهنه المكدود
من رجل
مسافر ، مثلي ومثلكم
قد طرح القيود
ألقى بها في ظلمة الأخدود
مستوحد تملأ قلبه دمدمة الحياة
لا يعرف العرف ولا الحدود
مسافر
يملأ قلبه بالحب والغواية
لا بد أن تخرج من شراع
رجل سعيد
يبدأ كل شئ من جديد
من شفتي مغادر وحيد
لا يعرف المحطات ولا السدود
يبدأ كل شئ دون خوف
في الحياة من جديد
يرحل كل ساعة
ونصف عمره انتظار
في طرقات النار
في خارج الأسوار
في مركز الإعصار
في نفثات النار
في طرف الجليد
من سفر بعيد
ليس يهم أن يعود
أو لا يعود.
بين النوم واللا نوم
تعالي يا حبيبتي
يا بلدتي مجسدة في حبيبة
تعالي نسمع … ونتعلم
تعلمي أن تسمعي
جزيئات الصمت وهي تتحدث إلينا
في صمت أخرس
تخاطبنا بأصوات الطرش
البكماء الخافتة
بلغة السكوت والتلويح والإيماء
بلهجة لا نسمعها
حتى في النوم العميق
أو الإغماء بأحلامه اللامسموعة
حتى في الصحو الشفاف
الذي يخترق بنوره
كل همسة ونأمة
يا حبيبتي
اجتهدي أن تنصتي
إلى زنّة الحياة
في قرى الأدغال
المعزولة بالمياه
في سرابات الصحارى
الخالية إلا من الرمل
ومن آثار أقدامنا
أنصتي إلى الشعر ينمو
بنعومة على الوجوه والأجسام
ينمو على وجوه الأحياء والموتى
تعلمي أن تبصري
دون حاجة إلى عيون
ولادة النواة الحية
من النواة الحية
في الخلايا المتناهية الصغر
سجلي صوت العرق
يتفصد من الجبين
ويرتطم صاخباً
بالياقات والعرى
تابعي الأفكار وهي تتلون
في قنوات الذاكرة المعتمة الجدران
تابعيها بملاقط النور
بقناديل الضياء
بخيوط الألق
كوني شاهداً
على تكون الأخيلة
في ما تحت الأهداب والحواجب
وانبثاقات الصور الصغيرة
في بؤبؤ العين
تعلمي كل هذا وحدثيني
خذي من كل شئ ترينه ووسوسي لي
انتحى بي مكاناً قصياً
وزوديني
هيئي مكاناً خالياً تماماً
إلا من وجهك الأليف
إلا من أسيجة الضوء والنعومة
إلا من ضحكات الشموس الطالعة
إلا من انفجارات الكواكب
إلا من النجوم
المولودة لتوها
إلا من أعين البشر
المرهفين السمع في صمت للصمت
الناظرين إلى الامام الناظرين إلى الوراء
دون أن يتخبطوا في الظلماء
في عتمة الليل المدمدمة
في العمى الكوني الشامل
دون أن …
دون أن …
نجم يتهادى فوق السماء
لوحة أولى:
فوق صدر النهر آلاف النجوم الراجفة
ينحني النهر عليها في عبوس
يحتويها كالعروس
وهي في أحضانه … منكسفة
أيها النهر القديم
أيها القادم من ارض الجبال العالية
من سماوات رحيبة
أيها العالق في دوامة الشمس وفي نبع العذوبة
كن معي
وازرع على جفني رشاش العاصفة
إنني أعطيك ما أملك من حب وجاه
أنت منذ اليوم طفلي الملكي
وقصوري وحسامي المرمري
ورئيس الحرس السائر في ركبي كظلي
أنت جيش اللجب الموكل في أرض الأعادي
وعشيقاتي اللواتي يتسللن إذا ما الليل جنا
وبساتيني التي تحجب ضؤ الشمس منا
يا نجوما فوق كتفي تتبلج
ووشاحا من بنفسج
ورياشي وجواري وعرشي
أنت شعبي ينحني لي
ثم يمضي ساهما فوق السهول الخالية
كن إزائي
كن أمامي
كن ورائي
واقتلعني من جذوري
وانطلق بي في الفضاء
افتح الشرفة في وجه الرياح العاتية
والقلاع النائية
لوحة ثانية:
تارة يحتدم النهر وتارات يفور
في أخاديد الأماسي القارسة
يتبقى فيه بعض الشفق الميت والأحلام
والأشواك والنبض الضرير
والجسور الناعسة
أيها النهر الذي كان فتياً مفعماً
بالعنفوان
كم توهجت زماناً
كم تغلبت على الشهوة والراحة واجتزت
المكانا
وتجاوزت الزمانا
كم تقمحت تساميت إلى الشهب وفرت
وتوقفت قليلاً
ثم أقعيت لوقت في مكان واحد ثم …
انحسرت
كلما أزمعت بدءاً أو رحيلا
جمدت ساقاك في الصخر وتابعت البكاء
وإذا راحتك امتدت إليها
هربت منك وعافتك السماء الفرحة
السماء الجامحة
نحن سرنا مرة بين المقاصير البهية
وجمعنا الضوء والإشراق من جسم النيازك
وتحركنا برؤيا الزمن الطفل
الذي يحجل في أرض الضباب
قادماً مبتهجاً يفتح في أرواحنا باباَ فباب
جالباً شمساً تعري العتمات الشرسة
فلماذا اخضوضرت أشجارك الأولى
هنيهات وشاخت
قل لماذا كنت غيما وانفتاحاً وانتظاراً
ولماذا عدت شحاذاً ومسخاً
يا صغيري
يا وحيدي
يا حبيبي
قل لماذا ؟؟؟
الخروج من عصور الظلام
آهـ طيري الجميل الغريب !
يا رهيف الجناح
يا نبيل الحنايا ويا راشفاً من نواة النهار
ومستنشقاً من صباح الصباح
بعد أن عشت في جزر الموت دهراً
ونازلت فيها عدوك هش السلاح
وترحلت في طرقات الخواء
وزاملت مستنقعات الجراح
فجأة حط ظلك ذاك الذي حل عنى طويلاً
الذي غاب عني طويلاً .. طويلاً
آهـ طيري الجميل الغريب !
كنت شاهد حق على نجمة لا تغيب
انتظرتك عاماً فعاماً – فلم يا ترى مر عام !
انتظرتك إن كنت وحدي
وإن كان حولي يموج الزحام
انتظرتك ليلاً .. نهاراً شتاءً وصيفاً
وفي يقظتي والمنام
أدهراً .. أعصراً
ظل قلبي يدق كمطرقة من حديد
ويخفق صدري
وينتح صدغي
وتلسعني جبهتي
وترف جفوني ، تضيق عيوني
وأصرخ .. أصرخ – ما من مجيب !
وأنام
وأصحو
وأمشي
وأجلس أنصت – ما من مجيب
ثم يغمى علي وارجع للوعي ما من مجيب
يا لهذا السكون المريب !
حين يغلق كل ابن آدم أبوابه
ثم ينزل أستاره
وتنام القلوب
حين تنحلّ في لهب الشمس أفراحك المشرقة
وتسير الى المحو أيامك المبرقة
بعد أن كان حزنك يغلق كل الحدائق
يمنعها بالأوامر ألا تغرد فيها
أغاني الصغار
عدت لي
بعدما شب بيننا سور نار
وجدارٌ تنامى وراء جدار
وبحار ترامت وراء بحار
وتلفع كل الذي كان بيننا في ضباب البخار
فجأة …يتردد فوقي وفوقك خفق الجناح
يتردد تحتي وتحتك
حولي وحولك
خفق الجناح
بعد أن كان كل فراق سعيراً
وكل لقاء وداعاً
وكل عناق مقدمة للفراق
يوم أن جثمت فوقنا غربة داهمة
شمس يومي تعاني الأفول
بدر تمي يعاني المحاق
عدت لي يا صديق المنارات والبحر والألوية
والجبال الملاصقة السحب والأودية
عدت لي للخروج من الأقبية
جئت لي من صباح سيأتي
- سوف يأتي! – سأبصره لا محالة!
سوف يلمسني بيدين ربيعيتين
فابصر – بعد العمى – لا محالة !
لنشد الرحالا
لبلاد نراها بعين التوقع واللمحة التالية
للشموس التي سوف تشرق من ثانية
والتي تحمل الدفء والعافية
حين نوقن أن السعادة آتية .. آتية
ها أنا أعطيك من دفئي ، من صفائي
ومن وهجي الداخلي
ثم اغرز داخل شريانك البض
ترياق ضوء وفئٍ ريّ
افتح الآن قلبك وأغسله بالهواء النقي
وسأشرح صدرك
ثم رفع وزرك
الذي أنقض الدهر ظهرك
يجئ من العسر يسرٌ عظيمٌ وخير عميم
وتسخ الغيوم
آهـ طيري الجميل الغريب !
أنا كلي عيون
منذ بدء البداية
من يفاع الطفولة
وحناياي تملؤها فكرة مستحيلة
أن أراك والمس تلك الشفاه الجميلة
أنت أقصى المنى غاية الأمكنة
معبري أنت للمدن الآمنة
لست تبهت في الأزمنة !
ملجئي بعدما تهت في المدن المسرعة
والدساكر والأنهر الضائعة
واجفاً كصغار الطيور التي ترهب الزوبعة
عدت لي لتعود الى نفسك المطمئنة
ويعود لك الضوء بعد الدجنة
بعد ذاك الظلام كما يظلم الجوف حول الأجنحة
حين زلزلت الأرض زلزالها
ثم ناءت بأثاقلها
وتدفق من تحتنا طوفان المياه
جئت مثل السفينة
عابراً بي وبقومي بحراً عريضاً عميقاً
طما منذ فجر الخليفة
من عصور الظلام السحيقة
حاصرتنا عصور المتاه دهورا
جثمت فوقنا – يا لهول الظلام !!
مرغت انفنا في الرغام
ثم ها نحن نطفو ونعلو
على كل تيار ماء
نحن بين المدارات فوق السها
فوق هذه السماء وهذي البحار
ها أنا الآن أغدو قوياً فتياً
مريداً عنيفاً عتياً لأحميك من طوفان المياه
أنا شعبٌ – بكامله – قد تخطى المتاه
كل ذاك التخبط في خارج الأرض والأزمنة
انتهى …كل ذاك التوجع ذاك العنا وزمان المتاه-الضياع –الضياع المتاه انمحى
كل ذاك الضباب
انقضى …
كل فيض العباب
ذلك الماء غاض وجف السحاب
آهـ يا حلماً لا يغيب !
يتصدى لنا راسخاً شاخصاً في وحول الدروب
قل لنا هل ستشرق شمس الحياة
على الضائعين ؟
أتجف المياه إلى أبد الآبدين ؟
هل ستقبلنا الجزر البكر
بعد ضياع القرون ؟
قل متى يبرز الزرع الأفق هونا ؟
يتبرج لوناً بهياً فلوناً نقياً فلونا ؟
يتغير لون المياه .. المتاه .. المتاه .. المتاه
المياه .. المياه
المتاه .. المتاه
ثم ترسو السفينة
لنودع عصر الظلام الزواحف عصر الجليد
كل حي يعيش الغواية
كل أمر رهين البداية
كل شئ أسير الطفولة
والوعود الجميلة
والنجوم البديلة
أترى …
بغتةً …
يتفتت عصر الظلام ، الزواحف عصر الجليد
ثم يبدأ في العالم الطفل صبح الزمان الوليد
وانهيار السدود
وتخطي الحدود
وسطوع الشموس التي سوف تغمرنا
من جديد
الخرطوم 10/3/1977م
نقلا عن ccb