الأعمدة

فهم مجتمع سودان ما بعد الحرب  بكري يوسف البُر

فهم مجتمع سودان ما بعد الحرب

بكري يوسف البُر

الحرب التي بدأت يوم ١٥ أبريل ٢٠٢٣ لم تدمر مؤسسات الدولة و لا ممتلكات المواطنين و قتلهم و تهجيرهم فقط، لكنها اعادت توزيع القوة، و الثروة، المعرفة، و العلاقات، و الثقة، و حتي تعريف السوداني لنفسه و للدولة.

 

و سنكتشف ان السودان القادم لم يصنعه الذين يحملون السلاح وحدهم.

من الواضح للعيان ان المجتمع تعلم أن يعيش بلا دولة، ففي ارجاء واسعة من السودان، وجد المواطن انه يعيش في دولة غائبة او عاجزة في تصريف امورة، و نتيجة لذلك سعي المجتمع في انشاء شبكات الخاصة، و لجان مقاومته، و غرف طوارئه، و مطابخه الجماعية، و شبكات إغاثته، و مبادراته الشعبية، و ساهم فيه المغتربين بتحويلاتهم مما صنع نوع من الاستقرار الاسري في الداخل و في المنافي.

 

الملاحظ ان المجتمع صنع مدرسة سياسية جديدة، اكتشف فيها انه يستطيع تنظيم نفسه خارج جهاز الدولة.

هذا سيترك اثرا كبيرا بعد الحرب، إذ تعلم المواطن، انه يمكنه القيام بدور الموظفين المتحكمين علي قراراته، و عليه لن يعود انتظار المواطن لموظف لحل اشكالاته.

يجب الوضع في الاعتبار دور السودانيين بالخارج، و كيف اسهموا في استقرار الكثير من الأسراقتصاديا بالداخل و الخارج، و بالتالي اصبح السودانيين جزء من اقتصاد عابر للحدود، فالسودانيين العاملين بالخارج يحملون المعرفة، و لديهم رأس المال، و العلاقات، و الخبرة، و بالطبع يحملون صورة مختلفة للدولة نتاج وعيهم هذا.

سنري سودان عابر للحدود، مواطن يعيش خارج السودان، و لكنه يظل مشاركا في اقتصاده و مجتمعه و سياساته، تلك قوة تحتاج الدولة ان تستثمرها في تنمية الصادرات و الاستفادة من تحويلاتهم بالقنوات الرسمية و بحوافز مشجعة، و تسهيل استثمارات أموالهم بالداخل من خلال حزمة من المحفزات لهم و لأهلهم بالداخل، لرفع عنت التحويلات المستمرة. و يمكن ان تكون لتلك القوة دور في الدبلوماسية الشعبية، و تنمية العلاقات بين الشعوب من خلال مشاركاتهم الاقتصادية و المجتمعية و الأدبية.

 

مما لا شك فيه ان العنصر النسائي له قوته و ان الحرب وضعت النساء في زاوية مختلفة، فأصبحت المرأة عامله، و مُعيلة، و صاحبت مشاريع وضعتها كرأس للأسرة و ساعدت في استقرارها. العنصر النسائي سيكون له دور سياسي اكبر، و دور اقتصادي سيساهم في التغيير القادم، و بصوت اعلي نتيجة اسهاماتها المقدرة.

 

سيبرز جيل شبابي جديد لا يحمل ذكريات جيل الاستقلال (التحرير قبل التعمير) او اكتوبر (جيل البطولات و التضحيات) او أبريل و (ضرب السدنه) او ديسمبر (مدنيااااااو)، و ما بينهما من نظم عسكرية، من الواضح أن في ذاكرة هذا الجيل، النزوح، و الموت، و الهجرة و الجوع، و انقطاع الدراسة، هذا الجيل لازمته تلك التنهيدة برهق و بقايا بكاء، هذا الجيل لن ينطلي عليه الخطب الإنشائية الخطابية، و لا مقولة (الشين يا عين اتجمل و غش عيون الواقع). هذا الجيل لن يسأل عن الهوية الحزبية يمينا او وسطا او يسارا، و انما سيكون سؤالة المُلح، ماذا ستفعل لي؟. و هذا إعلان قد يكون مسبق لتراجع الايديلوجيات، و إحياء السياسة كعقل ( برامج تنموية لتغيير وجه الحياة، الهدف الاول فيها هو الانسان) و ليس كفكر (نظريات سياسية و مغالطات) و لا الي هؤلاء الذين يجلسون و يناقشون و لا يفعلون شئ منتج (BOGSAT). لان هذا الجيل نشأ في عصر الانترنت و الذكاء الاصطناعي، و عصر ما بعد المعلومات.

 

من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش و ينتصرْ

من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدة والسيرْ

من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمةْ”

محمد المكي ابراهيم

 

سنري بعد الحرب بعض رجال أعمال جدد، صنعوا اقتصاد حرب و مصالح طفيلية نتيجة للواقع المعاش و حوجة الدولة لمثل هؤلاء. في الجانب الآخر سعي بعض رجال الأعمال الجدد الي خلق مواكبة للثورة الصناعية الرابعة (الدمج بين التقنيات المادية و الرقمية و البيولوجية)، و تجارة عبر الحدود، و بناء شبكات و معارف جديدة لم تكن موجودة اصلا قبل الحرب، سيكون تعاملها مختلف مع الدولة و ليس كالعلاقات القديمة، هؤلاء كونوا شبكتهم الخاصة عبر الحدود و الأسواق الخارجية، مع تراكم معرفي، و نمو رؤوس اموالهم، لذلك سيكون لرجال الأعمال الجدد دور محوري في محركات إعادة بناء السودان.

 

الناظر للواقع السوداني يري ان اقاليم السودان قاطبة، تري نفسها خارج الخرطوم و ان وهْم اهمية الخرطوم بدأ يتغير، فدارفور لم تعد هامش، و كردفان اصبح لها صوتها، صبرها المتطاول، و الشرق بدأ يطالب و ذلك حق، و الشمال اصبح اصبح اكثر من مستودع للذهب و الزراعة. هذه الحرب اعادت تعريف العلاقة بين المركز و الأقاليم، و تلك مسألة حاول المهتمين بعلاقة المركز و الهامش علاجها طويلا..

 

خلاصة الأمر أن السودان القادم لنا يكون نتيجة اجتماع الفريق البرهان مع الأحزاب، و لا مساهمات الاخيار في السعي للم الشمل، سيولد مجتمع خرج من الحرب بفهم و أدوات جديدة في تدبير شؤونة، و علي النخب السياسية ان تفطن الي التغييرات التي طرأت علي المجتمع، و ذلك يتطلب فهم و مجهود يلائم حجم التغييرات المجتمعية الجوهرية التي حدثت، و التي لم تعد كما كانت بالأمس. و عليهم ان يتعاملوا مع رؤوس الاموال التي نشأت نتيجة للحرب، فراس المال الاجتماعي، يملك ثقة الناس، و رأس المال الاقتصادي يملك المال و الانتاج، و رأس المال المعرفي يملك المعرفة و الخبرة، و رأس المال التنظيمي، من يستطيع تحريك الناس، و رأس المال السياسي يستطيع تحويل كل تلك المكتسبات و التغيرات الي قرار يفضي لخير مكتسبات الأمة.

 

علينا ان نستوعب ان سودان ما قبل قد انتهي، مهما حاولنا استعادته، و التحدي الحقيقي هو ان نفهم، ان سودان ما بعد الحرب لن تصنعه البنادق و لا الأحزاب و لا الخرطوم وحدها، سيصنعه المجتمع الذي تعلم في غياب الدولة، كيف يبقي حيا، و ان الحرب لم تغير خريطة السودان وحدها (حتي الآن)، و انما غيرت خريطة القوة فيه.

 

بكري يوسف البُر

سبتمبر ٢٠٢٦

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى