
بقلم :أحمد الشين الوالي
الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، القائل : (كل نفس ذآئقة الموت) صدق الله العظيم . و الصلاة و السلام على النبي المبلغ الخاتم . اللهم ، إن ياسر عبدك و ابن أمتك و ابن عبدك ، كان يشهد أنه لا إله إلا أنت وحدك لا شريك له ، و أن محمداً عبدك و رسولك . اللهم ، إنا قد علمناه مؤمناََ بك و برسولك ، و لا نزكيه عليك ، و أنت أعلم به منا . اللهم ، إن كان محسناََ فزد في حسناته ، و إن كان مسيئاََ فتجاوز عن سيئاته . و اجعل ، اللهم ، البركة في ذريته .
كنت خلال الإسبوع الذي انتقل فيه الأخ ياسر ياسين إلى معية الله تعالى قد رأيت شيخنا ياسين عمر الإمام مراراََ في المنام ، و كانت رؤى غير مفهومة لي ، و كنت أقدر أنها اضغاث أحلام . و خلال تلك الأيام كنت أتذكره كثيراً عند ساعات النهار!
فقررت زيارة بيت أولاد عم ياسين في الثورة – الحارة الأولى ، و أنا أعتقد أن في البيت الأخ ياسر و أخته الصغرى خولة . وصلت البيت قبيل العصر في اليوم الثالث قبل وفاته ، و فتح لي الأخ ياسر الباب و كان معه ابنه الطفل _ ياسين . و قد رأيت الأخ ياسر سعيداََ جداََ بزيارتي ، و كعادته كان لا يناديني إلا ب (يا دكتور أحمد) يكررها كثيراََ . و لم أفسد عليه يوماََ تسميته تلك ، و لم أسأله أبداََ عن حكاية تلك الدكترة !
كانت جلسة طيبة هادئة ليس معنا إلا الطفل ياسين يتدخل أحياناََ ، يلفت الانتباه إليه ، و هو يلعب . كان الأخ ياسر يبدو في صحة جيدة جداََ ، و قد استقبلني عند الباب ثم جاءت زوجته أم ياسين الصغير و سلمت علي ، و لم تكن بيننا معرفة من قبل . و على غير عادتي ، منذ أن ألم بي داء السكر ، لم اعتذر عن أي شيئ قدمه لي الأخ ياسر : شربت حتى الببسي ، و أكلت تمراََ ، و حلاوةََ – و هذا ما لا أفعله عادةََ ! حرصت أن أحدث الأخ ياسر عن عم ياسين و ما بيننا من خوة خالصة . قلت له : لقد رأيت عم ياسين في الأيام الفائتة مراراََ ، و لا أرى تفسيراََ لما رأيت ، و لا رسالة مفهومة لي .
سألني الأخ ياسر : ابن عمر محمد أحمد عبد الهادي أخباره شنو؟ فأجبته هو بخير وصل إلى مصر مبكراََ عند بداية الحرب . و حدثني الأخ ياسر ، عليه رحمة الله ، عن محاولاته في السوق ، و أخلاق السوق و تخريب الاقتصاد و تزييف التجارة . لقد رأيته يتحدث عن علم و معرفة ، و هو يأسى للدرك السحيق الذي وصلته بلادنا .
و تحدثنا عن واقعنا المعاش ، و قد أبدى ملاحظات و حكايات عن وقائع الحرب المستعرة . حدثته عن أهلي كيف يقاتلون في طرفي العسكر بعضهم يهاجم المدرعات و المهندسين ، و بعضهم محاصر في المدرعات و المهندسين !! فقال لي : أنتم مشكلتكم زي مشكلة الحمر ، بفتح الحاء . فقلت له : الحمر المسيرية ، بضم الحاء؟ فقال لي : لا الحمر – بالفتح . و حكي لي أن أحد نسابتهم أعيدت له عربتهم التي أخذت من منزله ، لأن الدعامة وجدوا أوراق السيارة فعرفوا أن صاحبها عطوي من عيال عطية فأعادوها _ قالها و هو يبتسم ! و سألته عن شقيقته الكبرى و أولادها – أولاد يحيى حسين رحمه الله – فقال لي : مشوا نهر النيل ، و الدعامة جاءوا إلى منزلهم في حي المجاهدين ، و لما عرفوا أن صاحب المنزل متوفى ترحموا عليه و غادروا ، و لم يأخذوا من البيت شيئاََ . ما أحسست مطلقاََ أن رؤيتي لعم ياسين في المنام متكرراََ ، تلك الأيام ، تعني بأن أحد أبنائه سيلحق به عاجلاً ، و لم أحس أبداََ أنني أزور الأخ ياسر ياسين مودعاََ .
بعد صلاة ظهر جاءني جاري ، الأخ الكريم المهندس ، الصافي نور الدين إبراهيم ، و هذا وقت لا يأتيني فيه عادة ، و مع ذلك ما شعرت أن مجيئه لأمر جلل حتى فاجأني بنبأ وفاة الأخ العزيز ياسر . فخرجنا معاََ للعزاء ، و وصلنا و وجدنا عدداََ مقدراََ من آل الشيخ عمر الإمام . و حدثني أكثر من واحد منهم أن المرحوم ياسر اتصل به و حكى له عن زيارتي له ، و كان لها أثرها الطيب عليه .
كنت يوماََ أجلس مع والدي ، أمد الله في عمره و متعه بالصحة و العافية ، و في لحظة تذكرت عم ياسين عمر فقلت في نفسي : بالله ، أولاد عم ياسين عمر ألا يذكرون علاقتي بأبيهم !! هم يعرفون أن أبي شيخ كبير معي ، و لا يزورونه أبداََ ، سبحان الله ! و في تلك اللحظة ، بالضبط ، ضرب جرس الباب ففتحت الباب فكان أمامي أولاد عم ياسين كلهم ، ياسر و عمار و مصعب !!! فضحكت ، و أنا أسلم عليهم ، و لما أدخلتهم حكيت لهم مباشرة ما كان يدور في نفسي و هم عند الباب !
و قبيل وفاته ،
و هو في الانعاش ،
في مستشفى الزيتونة بالخرطوم ، رأيت في المنام عم ياسين فتيقنت تماماََ أنه قد غادر الدنيا لرحمة الله تعالى ! رأيته وسط حشد من الناس في زي الإحرام ، و هو فوقهم جميعاََ أعلاهم قامة و أكثرهم بسطة في الجسم ، و في يمينه جواز سفر دبلوماسي يرفعه عاااالياََ ، و هو يتقدم الناس !!
لقد حزنت حقاََ يومها ، و حدثت أحد الإخوان أن عم ياسين لن يخرج من المستشفى إلا متوفياََ . حضرت صلاة شيخ الترابي على رفيقه عم ياسين ، و أنا في الصف الأول ، في الجهة الشمالية الشرقية من مقابر البكري . و في مكان الصلاة تذكرت المشهد الذي رأيت فيه عم ياسين في احرامه ، مشهد أقرب لمشهد صلاة الجنازة عليه !
* * *
في عام ٢٠٠٠م ، قدمت من المعتقل ، من سجن بورتسودان الاتحادي ، و بعد وصولي للبيت قلت لأولادي عم ياسين صحته ليس جيدة و لو سمع بوصولي سيتكبد المشاق ، سأذهب إليه و أعود فوراََ فلينتظرني من يأتي من بعدي . قلت لعم ياسين عمر ، رحمه الله و تقبل جهاده و اجتهاده و بارك في ذريته : رأيتك في رؤيا في المعتقل ، و أنت تقول لي كلم (سارية مكي) يجيني في الدكان . فقلت لك : أقول له دكان منو؟ فرددت أنت علي تقول يا حيوان ! ما لك و دكان منو ! قل له دكان محمود صديق الفكي . و قلت لعم ياسين : حقيقة لم أفهم حكاية (محمود صديق الفكي) حتى الآن ، و أنا مشغول بها جداً ، و اتفكر فيها كثيراََ . ضحك عم ياسين بصوت عالي و قال لي : دي هلوسة و خوف سببه الاعتقال . فضحكت معه ، و لكني لم اقتنع بتفسيره لتلك الرؤيا .
و خرجت من عم ياسين و عدت لبيتي . كان أول زائر جاءني عم حامد عمر الإمام – رحمه الله تعالى رحمة واسعة و جعل البركة في ذريته – و نحن جيران في الحارة التاسعة . و بعد شوية ونسة حكيت له حكاية [ *محمود صديق الفكي*] ، و تفسير عم ياسين لها . فرد علي عم حامد مباشرة : يا سلاااام ، يا أحمد ! رؤيتك لعمك ياسين دي حاجة سمحة ، محمود مفعول من الحمد و هو كثرته ، و صديق صيغة مبالغة من الصدق ، و الفكي إشارة للفقه . دي رؤيا ما فيها كلام .
و بعد محنة الاعتقالات ، و مصادرة المؤتمر الشعبي بعد مذكرة التفاهم مع الحركة الشعبية في ٢٠٠١م ، كان عم ياسين مسؤولاََ مع عم عبد الله حسن أحمد ، رحمهما الله رحمة واسعة و بارك في ذريتيهما ، فأطلقنا على عم ياسين تعمية اسماََ رمزياََ *محمود صديق الفكي* !
زارنا يوماََ عم ياسين في المركز العام ، بعد غياب بسبب اعتلال صحته ، فقال له أحدنا : و الله ، شرفتنا يا عم ياسين . فرد عليه عم ياسين على الفور : أشرف مائةََ زيكم . فأضحكنا جميعاََ . *و الله* ،
لقد تشرفنا كثيراً برفقتنا لعم ياسين ، و هو يشرف الألاف و الملايين .
و مرة اتصلت على تلفون المستشفى الإسلامي بعمان – الأردن ، و قلت لهم عاوز اتحدث مع ياسين عمر الإمام هو مريض يتشافى عندكم . فرد علي من يرد : و الله ، لا نعرف حد بهذا الاسم . و بعد نقاش طويل و أنا أصر أنه موجود معكم في المستشفى ، و هو رجل كبير من السودان . فقال الأردني : أنت تريد الشيخ ياسين عمر !! قلت : نعم . قال لي : و الله ، حرام عليك يا رجل تقول ياسين عمر ، قول يا أخي الشيخ ياسين ، أنا أعرف الشيخ ياسين عمر الإمام ، ثم أوصلني بالغرفة .
حكى لي ، عم ياسين ، أنه في ثمانينات القرن الماضي ذهب لسوق الفواكه بالخرطوم – مكان مول الواحة الحالي ، و كان يومها عم ياسين جهامة يلبس بدلة و كرفتة و العضلات تبش ، و حدد ما يريد شراءه من فاكهة ثم أخرج رزمة من النقود يريد الدفع ، و كان يقف بجواره مواطن سوداني ود بلد تف خطف الربطة من يد عم ياسين ، و هو يقول : تأكلوا في الفواكه ، و نحن ما لاقين حق الرغيف ! و وقف في مكانه لم يتحرك بل يعاين في وجه عم ياسين !! اضطر عم ياسين أن يقول للرجل : يا أخ ، أنت شلت قروشي و كمان عاوز تضاربني ؟! يا أخي ، ما تمشي ! و فعلاََ تحرك الرجل ، في هدؤ أدخل القروش في جيبه و مشى !!
كلام عجيب ،
جيل البطولات يلتقي جيل التضحيات !
اللهم ،
تقبل عم ياسين عمر ،
و ابنه ياسر ياسين .
قال الله تعالى : (و تلك الأيام نداولها بين الناس) صدق الله العظيم . و قال النبي الرسول الخاتم صل الله عليه و سلم : (الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها إئتلف و ما تناكر منها اختلف) ، و اختصرها أهلنا فقالوا : (القلوب شواهد) . و استغفر الله العظيم من كل ذنب صغير و عظيم ، و أتوب إليه رب العالمين : (و إنا لله و إنا إليه راجعون ) ، (و لا حول و لا قوة إلا بالله) .
أم درمان – كرري
٢٥ سبتمبر ٢٠٢٣م .