الأعمدة

كلا يا هارون..المطلوب منكم أكثر  د. محمد عبد القادر سبيل

كلا يا هارون..المطلوب منكم أكثر

 

د. محمد عبد القادر سبيل

 

اصخت إلى طرف غير يسير من الحديث الضافي الذي ادلى به مولانا أحمد هارون رئيس حزب المؤتمر الوطني لقناة السودان بودكاست على اليوتيوب. ولقد كان حديثاً مهماً وصريحاً. وعجبت لمؤانسة قاض حبيس دون محاكمة، وهارب في الوقت ذاته يخاطب عامة الشعب عن مستقبلهم بثقة ورصانة.. تلك لعمري من عجائب السودان.

 

ما يهمني الآن، إشارته الى استعداد حزبه للتضحية من اجل استقرار الدولة وخروجها من مأزقها الأمني والاقتصادي، وفي هذا السياق أشار الى أنهم لا يطلبون السلطة في المرحلة الانتقالية الراهنة وأن الانتخابات العامة هي البوابة الوحيدة التي سيعودون من خلالها الى سدة الحكم فيما اذا اعادهم اليها الشعب بإرادته.

وفي ظني فإن التنازل والتعفف الذي أبداه الرجل لن يكون ذا قيمة اذا بقي في هذه الحدود.

لماذا؟

لأن ذاك شأن جميع الاحزاب في مرحلة الانتقال المقبلة، إذ لا ينظر ان تحكم فيها الاحزب، إذاً فأين التضحية الكبرى من اجل الوطن؟.

في الحقيقة فإن التضحية المرجوة من حزبكم كبيرة ويرتجى أن تسجل قي دفتر التاريخ. اعني التعهد بعدم خوض أولى الانتخابات العامة. فهذا الأمر ضروري لطمأنة أحزاب (قحت) التي تمارس الان التواطؤ مع القوى الامبريالية المعتدية على شعبنا أملاً في تمكينهم من الدولة ودلفرض اجتثاث شأفتكم بوصفكم الذين تقفون سداً يمنع تقدم مشروعهم العلماني في البلاد.

هذه هي الصورة بمنتهى النصاعة والأمانة.

إن قوى (قحت) حينما تكون بلا أمل في الحكم فإنها تتحولون الى اعداء للوطن والمواطن دون تردد وهذا بالضبط ما يقومون به دون اي حياء. لذلك فيجب كف أيديهم عن مزيد العدوان بمنحهم الفرصة لمنافسة الاحزب الاقل خطورة ، بلا ضرر ولا ضرار.

 

ولعل ما أوصلهم إلى هذا الحد من الخصومة الصارخة هو انهم

انتظروكم ثلاثين سنة من الحرمان المبين. وما ان سقطت حكومتكم ومضيتم، حسبوكم ذهبتم إلى حيث ألقت برحلها ام قشعم، فتنفسوا الصعداء بعد ان هرموا، إلا انكم عدتم لتتشبثوا من جديد، بمنتهى البرود ودون حرج.

هذا لعمري ثقيل على النفس وينبغي تفهمه. لذلك فهو يحتاج منكم يا مولانا الى العدل السوية. ها انتم عدتم وتريدون استعادة السلطة وستستعيدونها حتماً، ليس بالتزوير، ولا لحسن ادائكم وانصافكم ونزاهتكم فيما سبق، ولكن لأن من يريد ان يحكم السودان فعليه ان يرفع شعار: لا اله الا الله، لأن إجابته حينئذ تغدو واجباً وتمسي فريضة لمن يؤمن بالله واليوم الآخر.

تلك هي كلمة السر في حكم السودان، على مدى التاريخ، منذ مملكة سنار مرورا بالمهدية والطائفية بعد الاستقلال حتى دولتكم: لا إله إلا الله هي مفتاح الدولة في السودان بقدرما هي مفتاح الجنة في السماء.

أما إذا كانت معايير العدل والنزاهة وتوفير العيش الكريم هي الحكم والفيصل في الاختيار فلا والله لن تستحقوا العودة قط لما بكم من الاستئثار وظلم الناس وتعذيبهم والاستبداد بالسلطان والثروة وتحويل الامامة التي هي تكليف وامانة الى غنيمة وملك عضوض، وتحويل مؤسسات الدولة التي هي شركة تجمع الشعب الى مزارع خاصة بكم. ولكن ما دامت (لا اله الا الله) معكم وحدكم شعارا ومرجعية حكم فهي إذاً جسركم المضمون، بينما الآخرون الذين يستنكفونها يخسرون ويتفرجون الى الابد.

 

سيقول قائل إنهم يتاجرون بها وتضحكون على عقول البسطاء ليحققوا غاياتهم الدنيوية.. هذا كلام فيه من الصحة قدرما فيه من المبالغة، إلا ان ذلك لا يغير من الامر شيئاً، فلسان حال المسلمين في السودان ليس إلا قول الصحابي الجليل عبد الله بن عمر: من أراد ان يخدعنا بالله ربنا انخدعنا له.

تماماً كاعتقاد المؤمن بأنه حين يبذل الصدقة فإنه يقدمها ليد الله فتقع بعدها في يد السائل ولا يهم ان يكون مستحقا أو مخادعا، فهذا شأنه. ذاك ما ينبغي ان يفهمه العلمانيون قبل ان يحكموا على الشعب السوداني بأنه جاهل وينخدع لكلام المنافقين، لا والله فالأمر مختلف

جرب انت وارفع لا اله الا الله شعاراً ومرجعا لنهجك فستجد الناس يتقاطرون عليك لا يهمهم صدقك او نفاقك فقد جاؤوها وما جاؤوك.

إنه أمر معتقد ووعي روحي عميق وتعويل على الغيب لا يأبه به الماديون.

نعود الى مولانا احمد هارون فنقول:

إن السودان سيظل يعاني ويضطرب ولن يستقر الا إذا حكم هؤلاء ( المدنيون)، لذلك دعوهم يحكموا عبر الانتخابات فينالوا حظهم وفرصتهم عبرها ليرتاحوا ويريحيوا الناس

اقول: إن تضحيتكم الحقيقية تكمن في ان تمتنعوا عن خوض اولى الانتخابات العامة وتنصرفوا نحو الدعوة إلى الله ونحو توسيع قواعدكم ورأب صدعكم واعادة تربية كوادركم على البر والتقوى والتعفف عن لعاعة الدنيا فهذا عمل مهم ويستغرق وقتا.

ومن اجل ذلك يمكنكم اشتراط اعتماد دستور ٢٠٠٥ المعدل دستورا دائما قبل التنازل عن خوض اولى الانتخابات.. ولا توصوا الشعب بمقاطتهم حتى لا يلقوا باللائمة عليكم. ذروهم والشعب ليحكم عليهم بقولهم وعملهم. ومن يدري فربما لا يستكملون فترة دستورية واحدة بسبب فشلهم وعدم توافقهم المعهود.

السودان وشعبه يستحقان منكم هذه التضحية التي توفق بين الفرقاء وانتم تستحقون فضل مجاهدة النفس ومراجعة مشروعكم واخطائكم واعادة صياغة انفسكم حتى تديروا البلاد مستقبلاً بمنهج جديد وقلب اكثر ايماناً زهدا.

والله يهدي الى سواء السبيل

 

 

ملحوظة:

لابد من تضخيات مماثلة من جانب جميع الاطراف وصولاً الى لحظة التوافق الوطني، منها: تنازل (قحت ) عن استهداف الكيزان والجيش بلا هدى. فضلا عن تنازل حركات اتفاقية جوبا عما فضل من استحقاقات الاتفاقية التي اهداها إياهم د.محمد حسن التعايشي وحميدتي بلا روية. الكل يجب ان يتنازل من انقاذ البلاد. دعونا نسميها: صفقة الوطن او صفقة الشعب السوداني.

 

د. محمد عبد القادر سبيل

خبير اداري واقتصادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى