غير مصنف

 لا تنمية علمية دون سلام، ولا سلام مستدام دون تنمية

شئ للوطن

م.صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

يحتفي العالم في 16 سبتمبر من كل عام باليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب، وهو مناسبة لا تقتصر على الاحتفاء بالإنجازات، بل تمثل دعوة صريحة للوقوف على التحديات الوجودية التي تواجه الدول النامية في سعيها نحو التقدم. إن الأرقام والحقائق التي يسلط عليها الضوء في مثل هذا اليوم تكشف عن فجوة هائلة، ليست فقط في القدرات التكنولوجية، بل في الإنصاف والعدالة في توزيع الموارد والفرص. فبينما يرتفع الإنفاق العالمي على البحث والتطوير إلى تريليونات الدولارات، يظل نصيب بلدان الجنوب منه لا يذكر، ما يؤكد أن “اللامبالاة” تجاه تحقيق أهداف التنمية المستدامة ليست مجرد خطاب سياسي، بل هي واقع مرير يعيق مستقبل شعوب بأكملها.

إن إدراك أهمية العلوم والتكنولوجيا والابتكار كمحرك أساسي للتنمية ليس بالأمر الجديد، ولكن ما يقلق هو البطء الشديد في ترجمة هذا الإدراك إلى عمل ملموس. لقد أشارت المعلومات المقدمة بوضوح إلى أن أفريقيا قد فوتت الثورات الصناعية الثلاث الأولى، وهي الآن على وشك تفويت الرابعة. هذا الخطر لا يهدد الازدهار المستقبلي للقارة فحسب، بل يكرس تبعية مزمنة ويوسع الفجوة مع الدول الصناعية. إن التحديات لا تكمن فقط في نقص الاستثمارات، بل في قصور أطر الحوكمة التي يجب أن تكون حاضنة للابتكار بدلاً من كبح جماحه.

وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن وضع السودان ضرورة ملحة. فالسودان، كجزء من بلدان الجنوب وأفريقيا، يواجه كل هذه التحديات وأكثر. حيث أن الابتكار والتقدم العلمي لا يزدهران إلا في بيئة من الاستقرار والسلام، وهما عنصران غائبان عن المشهد السوداني. إن الصراع الدائر في البلاد لا يهدد حياة المواطنين فحسب، بل يجهز على ما تبقى من مؤسسات علمية وبنية تحتية للبحث والتطوير. فكيف يمكن لعلماء وباحثين أن يركزوا على حلول لمشاكل التنمية المستدامة بينما بلادهم تغرق في ويلات الحرب؟ إن أي حديث عن الاستثمار في التعليم والبحث في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات يصبح ضرباً من الخيال في ظل الانقسام والتدمير.

إن اليوم الدولي للعلم والتكنولوجيا والابتكار لبلدان الجنوب يضعنا أمام مرآة تعكس واقعاً صعباً: لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة في عالم غير عادل. إن الالتزام بعدم “ترك أي أحد خلف الركب” الذي يؤكد عليه إعلان هافانا وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يجب أن يتجاوز كونه مجرد شعارات. إنه يتطلب تحولاً حقيقياً في السياسات الدولية، من أجل ضمان وصول عادل للتكنولوجيا، وتعاون حقيقي يهدف إلى بناء قدرات ذاتية في بلدان الجنوب.

إن قضية السودان ليست منفصلة عن هذا السياق؛ بل هي مثال صارخ على أن التحديات الأمنية والسياسية يمكن أن تلتهم أي فرصة للتقدم العلمي. فالمستقبل الأكثر إشراقاً لبلدان الجنوب، بما فيها السودان، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال حل النزاعات، وتعزيز الاستقرار، ثم الاستثمار الجاد في العقول والأفكار. إنها معادلة بسيطة: لا تنمية علمية دون سلام، ولا سلام مستدام دون تنمية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى