
من أعلى المنصة ياسر الفادني بطن الحوت !
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
بطن الحوت !
ليست القضية تأشيرة في جواز سفر، ولا رحلة تأجلت، ولا مقعداً شاغراً في قاعة الأمم المتحدة، القضية أكبر من ذلك بكثير ، القضية أن واشنطن تبدو وكأنها تريد أن تقول للسودان: تعال إلى نيويورك ولكن بالشروط التي نضعها نحن!
التقارير المنشورة تتحدث عن عدم إصدار تأشيرة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بل إن مصادر دبلوماسية تحدثت عن ربط إصدارها بقبول هدنة لمدة تسعين يوماً والأمم المتحدة نفسها قالت إن الأمين العام أنطونيو غوتيريش يشعر بقلق عميق وإن الأمانة العامة أثارت الأمر مع السلطات الأمريكية ،لكن في النهاية هو ( عمدة بلا اطيان ودلدول ساكت )!
هنا نفتح بطن الحوت ، إذا كان الأمر بالفعل مرتبطاً بقبول هدنة أو شروط سياسية فإن السؤال يصبح أكبر من التأشيرة نفسها، هل تحولت بطاقة الدخول إلى نيويورك إلى ورقة ضغط على قرار السودان؟ وهل أصبحت المشاركة في منصة الأمم المتحدة مرتبطة بمقدار ما يقدمه السوداني من تنازلات؟
البرهان ليس مطلوباً منه أن يذهب إلى نيويورك ليقرأ نصاً محفوظاً أو يردد ما يرغب الآخرون في سماعه، الرجل كان سيذهب حاملاً رواية دولة تخوض حرباً دامية، وحاملاً موقفاً يقول إن أي تسوية لا تُفرض على السودان من الخارج، وإن وقف النار لا ينبغي أن يتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب صفوف أي طرف مسلح، وقد نشر البرهان بالفعل موقفاً مشابهاً في مقال بصحيفة (فورين بوليسي)، رافضاً أن تُكتب ترتيبات السودان من دون السودان
ولذلك فإن منع البرهان من الوصول إلى المنصة، إن استمر، لن يمنع الرواية السودانية من الوصول إلى العالم بالعكس، قد يجعل السؤال أكبر: لماذا يخشى البعض أن يسمع العالم صوت الخرطوم من الخرطوم نفسها؟
أما الذين سيحاولون غداً ارتداء قميص البطولة، والقول إنهم هم الذين حرّكوا واشنطن، وأنهم أصحاب الفضل في هذه الخطوة، فليلبسوا ما يشاؤون من قمصان، فالواقع لا يتغير بالتصفيق ولا بالبيانات السياسة الدولية لا تُدار بمنطق أنا قلت ليهم ولا بمنطق نحن عملناها ، وإنما بالمصالح والضغوط وحسابات الدول
الأخطر أن يتحول القرار إلى غطاء إعلامي لمعركة أخرى: معركة الرواية، فغياب البرهان عن المنصة قد يحاول البعض استثماره لملء الفراغ برواية واحدة عن السودان وحربه، بينما الحقيقة أن السودان ليس بلا صوت، ولن يكون بلا موقف
أما الأمم المتحدة، فهنا السؤال موجع: إذا كانت المنظمة الدولية تريد أن تكون منصة لجميع أعضائها، فماذا يعني أن يتعذر على رئيس دولة عضو الوصول إلى اجتماعاتها بسبب خلاف سياسي مع الدولة المضيفة؟ السودان نفسه وجّه إلى غوتيريش طلباً للتدخل، مستنداً إلى اتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947، لكن بعيداً عن كل ذلك، هناك حقيقة واحدة ينبغي ألا تضيع وسط الضجيج: القرار السياسي السوداني لا ينبغي أن يصبح رهينة لتأشيرة!
هذا الموقف المخجل جدا يبين أن المنظمة الدولية الآن صارت ولاية الأمم المتحدة الأمريكية بدلا من الأمم المتحدة وتحرك خيوطها الإرادة والصلف الأمريكي
الهدنة التي تُفرض بشروط، والتسوية التي تُكتب خارج السودان، والعودة إلى ترتيبات سياسية لا تستند إلى واقع البلاد الجديد، فهذه ملفات أخرى لا تحسمها تأشيرة دخول ولا مؤتمر صحفي
إني من منصتي أنظر …. حيث أري …. الآن ثلاثة لاءات يجب أن تكون واضحة في هذه المرحلة: لا لوقف نار يتحول إلى استراحة لإعادة إنتاج الحرب، ولا لفرض مسار سياسي من الخارج، ولا لعودة أي منظومة سياسية دون تفويض سوداني حقيقي.
فالمسألة ليست أن البرهان دخل نيويورك أو لم يدخلها
المسألة: من يكتب الصفحة القادمة من تاريخ السودان… الخرطوم أم العواصم؟