
نبوءة الشاعر سيف الدسوقي
كتب : محمد المرتضى حامد
نحن في الأيام بقينا قصه ما بتعرف نهاية،
أطربونا وجهجهونا، أولاد حي العرب ، إبراهيم وسيف وودالحاوي ، ثلاثتهم أبدعوا مثلث برمودا سوداني عاطفي تنبأوا فيه بمستقبل حالنا وأطلقوا عليه إسم (المصير) ، مثلث يستوعب كل مراكب الحنين وحكايات صمودنا وانتكاساتنا الخوالد، كلمات ولحن وأداء وشجن زي الشجن. كلما صافحت الأغنية مسامعي تساءلت سرا عن تناقضات كامنة في مشاهِدها حتى ل (يراها) السامع عملا سرياليا بامتياز على نسق لوحة (إصرار الذاكرة) لدالي التي تكاد تشاركها التفاصيل (الساعات والقفر اليباب) ، فالأغنية واللوحة تجافيا ما عهدناه من قوالب ثابته عن الفن حُفرت في ذواكرنا بما أبدعته أزاميل عصر النهضة ناس أنجلو وأرياش رساميه الحَُرَفا كدافنشي، بذات القدر كانت (المصير) وتقاطعاتها الحادة رأسيا وأفقيا مع واقعنا والتي قرأتها كنبوءة دسوقية محضة.
طيب،
السؤال الذي استُهلت به الأغنية اليحكي حالنا منذ الطاقيه ام قرينات وحتى عصر القونات ويللا يا زولي، نحن كدا رغم إلمامنا بأسباب الخيبات وكيفية التكوين والخروج إذا ما توفرت الإرادة وقررت مراكبنا مغادرة خليج الفشل ، فكلنا نتغنى بحب هذا التراب ولكن تنتهي حدود هذا الحب ، لدى الكثيرين، عند رؤاهم الشخصية ومدى اتفاق الآخر مع محتويات (بُقجتهم) التي تتضمن القبيلة والجهة وعادات و(تغاليد) ومعتقدات و(شُلل) وحمولة ثقيلة من ال (أنا) قاتلها الله، ومرات كُجنه ساااي كدا (لوجه الله) لشخوص بعينهم تتجلى كل يوم في المشهد السياسي الذي يُعرض على (شاشة) الوطن منذ ما قبل التركية الأولى وحتى عصر حمدوك وحميدتي الممعن في سرياليته ، البرهان دا زولي خلوهو، وهو مشهد ليس بجديد على كل مطلع على تاريخنا قديمه وحديثه حتى أصبح تمثيلنا بآل بوربون بعضٌ من الُمسَلَّمات، لم ننس شيئا ولم نتعلم شيئا، مع تعقيدات جعلت من المشهد حَلَة شعيرية مع أمفتفت بالقنقليز.
لا يقتصر ذلك التناقض على الداخل وحده، فقد لحظت في تنقلي بين التجمعات السودانية خارج الوطن أننا فقط انتقلنا أجسادا كالبرق، كما في ال teleportation ، لكن لسه شغالين بسوفتوير الكلاكله باللَفه غض النظر عن واقع المَهاجِر المَنافِي، فانتقلت معنا (المصير) بكافة تفاصيلها.
لي أصدقاء كثر هاجروا أجسادا قبل ما يزيد على الثلاثين عاما لم يتمكنوا خلالها من التماهي روحا مع مجتمعات مهاجرهم ونُظمها ، وإن تظاهروا بخلاف ذلك، فالواحد منهم يجهل عامدا حتى محيط منزله في المهجر لكنه ملم بكافة التفاصيل اليومية الدقيقة لمسقط رأسه حتى تحس أن المهجر كان مَهرَبا عشوائيا من مصير مرتقب.
الحقيقة الموازية أيضا أننا نخرج من الوطن لكنه لايخرج منا، لاصق جد، مافي طريقه، ولا بالثينر ، نحبه سرا وجهرا، أوفسايد وإنسايد وأونلاين كمان، الله يغيز اللايفات، عليه كان لابد أن (نقضي أيامنا في عذاب) كنتيجة طبيعية لتنازع الواقع مع الأمنيات الطيبة المزمنة وحبل الرجاءات الحيرى وكل منا يردد سرا (يمر العام تلو العام لا الأحلام تصدق لا ركام الهم يسقط من حساباتي).
ذات ربيع كندي، زارني ببيتي صديق غادر السودان منذ ربع قرن ولم يعد إليه وطلب أن أستمع ، في سيارته ، لمقدمة الطير المهاجر، تسجيل كاليفورنيا العجيب بتاع المشاكل المعروف والذي لم يكن منتشرا يومها، قرأت الأسى في محياه ونبرة حنين أمدرماني في أزقة صوته وحواري نفسه وخواطرها المتناقضة الضهبانه في صحاري الشوق المزمن المدَفَق سااااي إلى ديار (كانت قديما ديارا) ، حنين يشتبك بحرص على جنسية دولة (محترمة) توفر العلاج المجاني حين تهجم الأسقام وتعليم الأساس (الكويس) للعيال ، كل ذلك مع رغبة في أن يعيش معه الأحباب الطرب و إفطار رمضان والعيدين ويطفئوا أحزانه في صيوان العزاء (استبدلنا الصيوان بالسيرفرات، فقد أصبحت مشاعرنا جميعها أونلاين) وبالطبع هناك من يرغب أن يضيف إلى تلك الفسيفساء الراتب العالي الذي لاتمسه يد الضرائب (الشريرة) كما هو الحال في دول الخليج ، بمعنى آخر نحن نريد تطبيقا واحدا (جري وطيران وسباحة) ، أن نبقى في المهجر والوطن في آن فنغدو كمن يرقص اللامبادا على نغم مسدار لطه ود الشلهمه.
نغادر بلدا يبدأ الحنين إليه قبل التيك أوف، نخرج منه كي نشتهيه، ومن بذرة هذا الإشتهاء تنمو نبتة متخيلة إسمها العودة يوما ما إلى ذات البلد الذي غادرناه ووضعنا له في الذاكرة مجسما أساسه مشهد أول وداع، ترعرعت النبتة وأصبحت شجرة لها فروعها في كل فرع ألف أمنية وخيال والله يضاعف لمن يشاء، منها البيت الكبير والعربة ولمة الأهل والجيران والمزرعة والصحاب والتواصل والعصيدة بالتقليه الخرافيه ونساؤنا يمارسن تخزين الأواني والأثاث لثلاثين عاما لاستخدامها في بيت (المستقبل) المتخيل ، رومانس خرافي ، مُش؟ بل إننا نحلم أن ندفن في تراب الوطن بعيدا عن الجليد وكي يقرأ الأهل الفاتحة على عِظامنا كلما مروا بالبكري وأحمد شرفي، وتبقى تلك الصورة المتخيله (مجمدة) لسنوات طوال بينما تغير واقع الوطن تماما ، وكلما تقدمت السنوات شَقّت العودة حتى يحل الأجل فيجرى علينا قول الكد (إن المغتربين يبنون بيوتا ليُشَيّعوا منها) ، فلا الأهل هناك ولا الصحاب، وتفرق الأبناء أيدي سبأ لم يسكن أي منهم الشقه ال (فوق ) سد مأرب، حينها نكتشف أننا أضعنا الماضي والحاضر و المستقبل معا..
تفاءلنا عقب انتفاضتين وظننا أن البرنامج الوطني توحد أخيرا وغنينا وداعا يا سيد الأنفاق وما هي إلا شهور حتى اكتشفنا أن حياتنا ليست سوى ماتروشكا بايخه وشينه ، كل بلوى في أحشائها أخرى، وكلما آخينا (صحوة) رمتنا بحذائها لكننا، كساستنا المزمنين، نأبى التنحي، مازلنا نتساءل (ليه تقول لي انتهينا ونحن في عز الشباب) بينما الواقع أننا (تايهين لينا مده نجري من خلف السراب).
لي في الثوار الشباب آمال ظل (يماطلني بها زماني) وأناديهم أن ينجزوا ثورة منزوعة التسويات لبناء وطن ليس لنا غيره، فإننا مهما تلونت وثائق السفر نظل معلقين بقلب إفريقيا الذي جعلت منه الإنقاذ القميئة ولصوصها (كلوش إفريقيا القصير) ، مللنا ترديد (نحن في ماضينا قوة) بينما الحقيقة أننا (نمشي في القفر اليباب).
فاجعة جيلي تكمن في أنه يعي تماما أن أيامنا معدودات وأنه لم يتبق الكثير، وأن الماضي ولى، بل إنه لا يوجد إلا كتاريخ متوهم وأنه ليس هناك محطة تسمى (السعادة) في الآتي ، القطار الذي نحن فيه الآن هو كل شئ، السعادة والشقاء، سرق المتأسلمون ورهطهم ثلاثين من عرباته الوثيرة وتركونا للدرجة الرابعة والفرمله. جُلنا يرغب أن يقضي (الآن) في الوطن بسلام، الوطن الذي كان يمنحنا السعادة ويتفجر عطايا (إنقليزية) خالصة، لا نراهن على ماض أو مستقبل وأكرر (الآن) يمثل كل شيء، وكما قال إيكارت تول في مؤلفه الرائع
(The Power of Now)
Realize deeply that the present moment is all you ever have.
سيضيع الوطن قريبا وسننسى أننا كنا للناس رمز طيبة،
وأننا كنا عنوان للشباب،
لأننا (الآن) تايهين لينا مدة نجري من خلف السراب،
بالله الدسوقي دا مش فات نوستراداموس؟