الأعمدةبريق أمل

هل أتاك حديثُ الغلاء؟ حين يتلطّف المواطن… ولا تتلطّف الأسعار

بريق أمل

هنادي عوض بشير

﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾

في تلك اللحظة من قصة أصحاب الكهف، كان المطلوب من أحدهم أن يذهب إلى المدينة، يحمل نقودهم، ويبحث عن الطعام، وأن يتلطّف في حركته حتى لا ينكشف أمرهم.

اليوم، وبعد قرون طويلة، يبدو المشهد مختلفًا، لكن كلمة «فليتلطف» تكتسب عند المواطن السوداني معنى آخر.

فالمواطن يذهب إلى السوق متلطّفًا؛ لا لأنه يخشى أن يعرف الناس من هو، وإنما لأنه يخشى أن يعرف كم أصبحت الأسعار.

يدخل السوق وفي جيبه راتبه، ويخرج منه وقد ترك وراءه نصف احتياجات أسرته.

يسأل عن سعر الخبز، ثم عن الدواء، ثم عن المواصلات، ثم عن احتياجات المنزل، وفي كل مرة تأتيه الإجابة نفسها تقريبًا: السعر ارتفع.

الجنيه موجود… لكن ماذا يشتري؟

المشكلة اليوم ليست فقط أن الأسعار مرتفعة.

المشكلة أن قيمة النقود نفسها أصبحت تتآكل أمام أعين أصحابها.

قد يحمل المواطن في يده مبلغًا يبدو كبيرًا بالأرقام، لكنه عندما يدخل به السوق يكتشف أنه لا يساوي ما كان يساويه بالأمس.

وهنا تتحول العملة من وسيلة للشراء إلى مجرد أرقام على أوراق.

فالراتب قد يأتي في موعده، لكن المشكلة أن الأسعار لا تأتي في موعد واحد؛ إنها تتغير باستمرار، وتسبق الدخل بخطوات.

المواطن لا يريد أن يصبح ثريًا.

هو يريد فقط أن يستطيع راتبه أن يشتري طعام أسرته، ودواء مريضه، واحتياجات أطفاله، وأن يدفع إيجاره ومواصلاته دون أن يضطر في نهاية الشهر إلى الاستدانة.

قرار سعر الصرف… والسؤال الذي يهم المواطن

وسط هذه الأزمة، تظل قضية سعر الصرف واحدة من أهم حلقات المشهد الاقتصادي.

وقد أصدر بنك السودان المركزي منشوراته وقراراته المنظمة لسوق النقد الأجنبي، مؤكدًا استمرار دوره في إدارة السوق وتوفير النقد الأجنبي عبر الجهاز المصرفي وفق الضوابط المعتمدة.

لكن المواطن العادي لا يستطيع أن يعيش على لغة المنشورات.

هو لا يسأل عن المصطلحات الاقتصادية بقدر ما يسأل سؤالًا بسيطًا:

ماذا سيحدث لأسعار السلع؟

فإذا تحرك سعر الصرف، تحركت معه تكلفة الاستيراد، والنقل، ومدخلات الإنتاج، وفي النهاية يجد المواطن نفسه أمام فاتورة جديدة.

وهنا يجب أن نتوقف.

فليس كل ارتفاع في الأسعار سببه قرار واحد، وليس كل اضطراب في السوق يمكن تفسيره بسعر الصرف وحده. هناك الحرب، وضعف الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل، وشح النقد الأجنبي، والمضاربات، والاحتكار، وتعدد أسعار الصرف، وغيرها من العوامل التي تتداخل لتنتج هذه الفوضى.

لكن المؤكد أن المواطن هو من يدفع فاتورة كل هذه الاختلالات.

خبراء يحذرون… والمواطن يدفع

حين يتحدث الاقتصاديون عن اختلالات سوق الصرف، أو الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، أو المضاربات، قد تبدو المسألة نظرية بالنسبة للبعض.

لكنها بالنسبة للمواطن ليست نظرية على الإطلاق.

إنها سعر جوال الدقيق.

وسعر الدواء.

وأجرة المواصلات.

وفاتورة الكهرباء.

وأسعار المواد الغذائية.

كل رقم اقتصادي يتحول في النهاية إلى رقم على فاتورة يدفعها المواطن من دخله.

ولهذا، فإن أي سياسة نقدية أو قرار يتعلق بسعر الصرف يجب ألا يُنظر إليه بمعزل عن أثره الاجتماعي.

الاقتصاد ليس سعر دولار فقط… الاقتصاد هو حياة الناس.

أين الدولة؟

السؤال الذي يزداد إلحاحًا ليس: لماذا ارتفعت الأسعار فقط؟

بل:

من يراقب السوق؟ ومن يحمي المواطن؟

لا يمكن ترك الأسواق لمنطق العرض والطلب وحده في ظل ظروف استثنائية، ثم مطالبة المواطن بتحمل النتائج.

نعم، الدولة قد تصدر قرارات، والبنك المركزي قد يتخذ إجراءات، والجهات المختصة قد تعلن عن حملات وضوابط.

لكن المواطن يريد أن يرى أثر القرار في حياته.

يريد أن يدخل السوق فلا يفاجأ كل يوم بسعر جديد.

يريد أن يعرف أن هناك جهة تراقب من يرفع الأسعار بلا مبرر.

يريد أن يشعر أن هناك من يحارب الاحتكار والمضاربة.

ويريد قبل كل شيء أن يشعر أن الدولة تراه وتسمع أنينه.

المواطن لا يستطيع أن «يتلطف» إلى الأبد

في قصة أصحاب الكهف، كان التلطّف ضرورة مؤقتة.

أما المواطن اليوم، فقد أصبح التلطّف أسلوب حياة.

يتلطّف في الشراء.

يتلطّف في الطعام.

يتلطّف في العلاج.

يتلطّف في المواصلات.

يتلطّف في احتياجات أبنائه.

حتى الأشياء التي كانت من أساسيات الحياة أصبحت بالنسبة إليه قرارات مؤجلة: نشتري أم لا نشتري؟ نحتاجها أم يمكن الاستغناء عنها؟ ندفع اليوم أم ننتظر حتى الغد؟

وهنا تكمن المأساة.

حين يصبح المواطن مضطرًا إلى اختيار أي احتياجات أسرته أهم من الأخرى، فإن القضية لم تعد قضية أسعار فقط، وإنما قضية كرامة ومعيشة وأمان اجتماعي.

كلمة أخيرة

لا أحد يطلب من الدولة أن تصنع معجزة.

لكن المطلوب أن تكون هناك رؤية واضحة، وسياسات متماسكة، ورقابة حقيقية على الأسواق، ومحاربة للمضاربة والاحتكار، وتشجيع للإنتاج المحلي، وإدارة أكثر فاعلية للنقد الأجنبي، وإجراءات تحمي أصحاب الدخول المحدودة.

لأن المواطن السوداني تعب من أن يكون الحلقة الأضعف في كل معادلة.

تعب من أن يستيقظ على سعر جديد.

وتعب من أن يسمع أن الأزمة مؤقتة بينما المؤقت أصبح سنوات.

وتعب من أن يزداد دخله بالأرقام، بينما تتراجع قيمته في السوق.

فهل أتاك حديث المواطن السوداني؟

ذلك الذي يحمل نقوده إلى السوق، فيبحث عن «أزكى طعام»، فلا يجد إلا الأسعار التي تستنزف ما في جيبه.

ذلك الذي لم يعد يحتاج فقط إلى أن «يتلطّف» في طلب رزقه…

بل يحتاج إلى اقتصاد يتلطّف به.

فالناس لا تأكل القرارات، ولا تعيش على البيانات، ولا تدفع فواتيرها بالشعارات.

الناس تريد أن تعيش.

وهذا، في أبسط تعريفاته، هو جوهر الاقتصاد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى