
هل وزارة التجارة سبب الازمة الاقتصادية؟ د. محمد عبد القادر سبيل
هل وزارة التجارة سبب الازمة الاقتصادية؟
د. محمد عبد القادر سبيل
كل يوم تتعزز القناعة لدي بأن أساس أزمة السودان الاقتصادية ومفتاح الحل أيضاً يكمن في مسألة صادرات السلع النقدية الأهم.
هذه السلع ست، تمثل ثروة البلاد وابرز مواردها ولكنها مختطفة تماماً بيد الرأسمالية الطفيلية التي تهيمن على نشاط الصادر.
ولأن عبد الرحيم حمدي قد ارتكب في التسعينات خطيئة خصخصة الشركات التي كانت تتولى هذه المهمة والتي كانت توفر للحكومة ايرادات معتبرة من العملة الأجنبية فقد آلت تجارة تلك السلع إلى جيوب التجار، فاستحوذوا على حين غفلة من الحكومات المتعاقبة على مليارات الدولارات سنوياً، وبذلك تحكموا في رقاب الدولة والشعب والحكومة التي ظلت تكتفي بالفتات لسبب مجهول.
ولكن أي أطراف الحكومة نلوم بالتقصير والتفريط؟ هل وزارة المالية ام بنك السودان أم وزارة الثروة الحيوانية أم وزارة التجارة الخارجية؟.
دعونا نسلط الضوء هذه المرة على وزارة التجارة، هذه المنسية وبيدها مفتاح التحكم. ما عسى أن تفعل من أجل زيادة ايرادات الدولة من العملة الصعبة باتجاه تجاوز أزمة تصاعد سعر الدولار وبالتالي خفض معدلات التضخم وتوفير التمويل للمشروعات؟.
إن وزارة التجارة الخارجية هي الجهة المنوط بها تنظيم تجارة الاستيراد والتصدير . ولعل أكبر كارثة في هذا المجال بعد بدعة ال ( nill value) التي ابتدعها اول مرة الدكتور ابوحريرة في منتصف الثمانينات، هي التسيب وكثرة (المستوردين الهواة) وهذا أمر عجيب يشبه التسيب والمجانية في مجال انشاء الاحزاب السياسية حتى تجاوزت المائة بلا سبب سوى الانتهازية والطمع، فهل هذا معقول؟.
سابقاً حينما كان الجنيه يساوي ثلاثة دولارات لم يكن يتولى التصدير بجانب الحكومة سوى بضع شركات كبرى ومحترمة يسمى اصحابها الرأسمالية الوطنية لانها فئة تحترم القانون وتصب ايرادات الصادر في بنك السودان دون شروط وبالسعر الرسمي للجنيه.
فماذا حدث؟ وماهي ظاهرة الوراقين الجديدة هذه ( ظهرت بالتزامن مع سياسة التحرير الاقتصادي سيئة الذكر) ومعها سماسرة تراخيص الاستيراد والتصدير والتواكيل الخ.
لماذا تتساهل وزارة التجارة بهذا الخصوص الى هذا الحد المضر؟ هل ياترى تستهدف جني رسوم اصدار التراخيص فحسب؟ ام ثمة دوائر مصالح داخل الوزارة تعمل بالتنسيق مع سماسرة الاستيراد والتصدير؟ ام هي سياسة الحكومة وتوجهها نحو زيادة ايرادات الجمارك كيفما اتفق !، ام أين مكمن السر بالضبط؟.
الله أعلم.
ولكن مهم جدا أن تكشف هذه الوزارة عن اسماء واسماء ملاك أهم مائة شركات تتولى عادة تصدير السلع النقدية ( الذهب والمواشي والصمغ والحبوب الزيتية والقطن) ليعرف الشعب إلى من تذهب ثرواته المهولة( عشرات المليارات من الدولارات) وبأي حق؟، ومن هم الرأسماليون الوطنيون الشرفاء الذين يوردون حصائل الصادر في بنك السودان بانتظام، ومن منهم يتهرب ويراوغ، ونعتقد ان التكتم عن كشف مثل هذه المعلومات للرأي العام بأية حجج يعد مدعاة للريبة من منطلق ان هذه وزارة الشعب والثروة ثروة الشعب والدولة كلها دولة الشعب ومن حق صاحب الحق ان يعرف كيف تدار املاكه وحقوقه.
وفي الحقيقة فإن الصحيح هو أن يصار إلى وضع سياسة جديدة تضبط نشاط التصدير والاستيراد بحيث لا ينال هذا الامتياز العظيم الا فئة الرأسمالية الوطنية الملتزمة بقوانين التجارة ومناشير بنك السودان.
فمثلا يمكن تعيين حد أدنى لا يقل عن ١٠ ملايين دولار لرأس مال الشركة المؤهلة للمصدرة مسنود بشهادة بنك وشهادة ضرائب وكشف حساب بنكي يبين حركة عمليات طبيعية حتمية مع شهادة حسن سير من بنك السودان. ولا يجوز لهذه الشركة المؤهلة توكيل شركة أخرى للاستيراد نيابة عنها حتى لو كانت مؤهلة بذات الشروط. على ان تفعل العقوبات الرادعة لأي شركة تتلاعب في هذا المجال. وهكذا نتخلص من جيوش المصدرين وسماسرتهم وصغار سعاتهم الجوكية الذين يجوبون يوميا اجواء الصين ودبي والقاهرة.
وماهو أهم من ذلك أن اقتصار التصدير على عدد محدود ظاهر للعيان من الاكفاء القادرين ييسر المتلبعة اللصيقة والرقابة عليهم ويحمل المسؤولية على من نالوا الامتياز.
فضلاً عن هذا فإن الأمل معقود على هذه الوزارة في تهيئة الأطر القانونية والبروتوكولات التجارية الخارجية لانجاح قيام شركة حكومية كبرى باسم (مؤسسة التجارة السيادية) يناط بها تصدير السلع النقدية الست: الذهب، الحبوب الزيتية والمنتجات الحيوانية والصمغ العربي والقطن والذرة. بجانب استيراد السلع : الوقود ، القمح، الأدوية، مدخلات الانتاج الزراعي، مدخلات الانتاج الصناعي، ومستوردات الحكومة.
على ألا تسمح الوزارة للتجار باستيراد وتصدير هذه السلع.
بهذه الصورة ينتفع الشعب والوطن من وزارة التجارة في الخروج من عنق الزجاجة الذي نعلق فيه الان بدل هذا السكون المريب.
والله المستعان
د. محمد عبد القادر سبيل
خبير اداري ومحلل اقتصادي