
وداع مهيب بكادقلي تقديراً لجهوده المجتمعية.. اللواء محمد الحسن عبد الرحمن .. الطبيب الإنسان تكريم رسمي وشعبي ..تجسيد تلاحم القوات المسلحة والمجتمع.. ثماني سنوات من البذل والصمود… صناعة الأمل.. عطاء صادق في خندق الإنسانية.. حضور في ذاكرة المواطنين.. شهادات مؤثرة من المسؤولين والأهالي ومنسوبي الصحة.. مسيرة استثنائية.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
وداع مهيب بكادقلي تقديراً لجهوده المجتمعية..
اللواء محمد الحسن عبد الرحمن .. الطبيب الإنسان
تكريم رسمي وشعبي ..تجسيد تلاحم القوات المسلحة والمجتمع..
ثماني سنوات من البذل والصمود… صناعة الأمل..
عطاء صادق في خندق الإنسانية.. حضور في ذاكرة المواطنين..
شهادات مؤثرة من المسؤولين والأهالي ومنسوبي الصحة.. مسيرة استثنائية..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
احتشدت مدينة كادقلي في مشهد مهيب امتزجت فيه مشاعر الامتنان بالفخر، لتوديع وتكريم قائد مستشفى السلاح الطبي بالفرقة الرابعة عشرة مشاة، اللواء الركن طبيب محمد الحسن عبدالرحمن، الذي تم نقله إلى موقع جديد ضمن الإجراءات الدورية المتبعة بالقوات المسلحة، بعد رحلة امتدت لثماني سنوات متواصلة قضاها الرجل في خدمة إنسان ولاية جنوب كردفان.
تعبير صادق:
وشهد الاحتفال الكبير الذي نظمته حكومة الولاية ممثلة في وزارة الصحة والتنمية الاجتماعية حضور نائب والي جنوب كردفان الأستاذ عبدالرحمن دلدوم شلو، وأعضاء لجنة أمن الولاية، وقيادات الإدارة الأهلية، والعاملين في القطاع الصحي، إلى جانب أعداد غفيرة من المواطنين الذين حرصوا على المشاركة في وداع الرجل الذي ارتبط اسمه بواحدة من أصعب المراحل التي مرت بها ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، ليأتي التكريم متجاوزاً الاحتفال الرسمي العابر إلى لوحة تلوَّنت بأشكال من التعبير الصادق عن تقدير حكومة الولاية ومجتمعها المحلي لرجل ظل حاضراً في الميدان خلال سنوات الحرب والحصار، مقدماً نموذجاً نادراً في التفاني والإخلاص والإنسانية.
دلالات عميقة:
وحمل التكريم الرسمي والشعبي الذي حظي به اللواء الركن طبيب محمد الحسن دلالات عميقة أكبر من حدود الاحتفاء بشخصه، لتكون بمثابة معانٍ وطنية، عكست حجم التلاحم بين القوات المسلحة والمجتمع المدني في ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، فالمشهد الذي جمع قيادات الدولة ورجالات الإدارة الأهلية والكوادر الصحية والمواطنين حول رجل عسكري في الأصل، وطبيب في الميدان، أكد أن العلاقة بين الجيش والمجتمع لم تكن علاقة مؤسسة رسمية بمواطنيها فحسب، بل علاقة مصير مشترك صاغتها سنوات المعاناة والتحديات، وقد بدت كادقلي وهي ترسم لوحة وطنية متكاملة جسدت عملياً الشعار الخالد {جيشٌ واحد.. شعبٌ واحد}، حيث تماهت الأدوار بين الجنود الذين يحمون الأرض، والأطباء الذين يحمون الأرواح، ليصبح اللواء محمد الحسن رمزاً لهذا التداخل النبيل بين الواجب العسكري والرسالة الإنسانية.
خط الدفاع عن الحياة:
وخلال سنوات الحرب والحصار التي عاشتها مدينتا كادقلي والدلنج، تجلَّى مستشفى السلاح الطبي كأحد أهم المؤسسات الصحية التي حافظت على استمرارية الخدمة الطبية رغم الظروف القاسية، فعلى امتداد أكثر من ثلاثة أعوام من العزلة النسبية ونقص الإمدادات الطبية والكوادر الصحية، ظل المستشفى يؤدي دوره الحيوي إلى جانب عدد محدود من المؤسسات الصحية الأخرى، مساهماً في إنقاذ الأرواح وتخفيف معاناة المواطنين، وشملت أدواره استقبال جرحى العمليات العسكرية والمصابين جراء القصف والاشتباكات، إلى جانب تقديم الخدمات العلاجية والإسعافية للمواطنين المدنيين الذين ضاقت أمامهم خيارات العلاج، كما لعب المستشفى العسكري دوراً محورياً في خدمات الطوارئ والجراحات والعناية بالحالات الحرجة، وأسهم كذلك في دعم النظام الصحي المحلي في مواجهة النقص الحاد في الكوادر والمستلزمات الطبية، بينما ظل ملاذاً آمناً للمرضى خلال فترات الأزمات والكوارث الإنسانية المرتبطة بالحرب والنزوح، وكان اللافت أن خدمات المستشفى لم تقتصر على العسكريين، بل امتدت إلى المدنيين بمختلف فئاتهم، الأمر الذي عزز مكانته كمؤسسة وطنية وإنسانية أسهمت بصورة مباشرة في صمود المجتمع المحلي خلال أحلك الظروف.
أثر إيجابي:
وخلال مخاطبته الاحتفال، أشاد نائب والي جنوب كردفان الأستاذ عبدالرحمن دلدوم شلو بالأدوار الكبيرة التي قام بها اللواء الركن طبيب محمد الحسن طوال سنوات عمله بالولاية، مبيناً أن التكريم جاء بتوجيه مباشر من مجلس وزراء حكومة ولاية جنوب كردفان تقديراً للجهود الاستثنائية التي بذلها المحتفى به في خدمة المواطنين والمؤسسات الصحية، مؤكداً أن ما قدمه من عطاء وتفانٍ خلال فترة عمله يستحق كل التقدير والعرفان، منوهاً إلى أن سيرة الرجل المهنية والإنسانية ستظل حاضرة في ذاكرة أهل الولاية، لما تركه من أثر إيجابي في حياة آلاف المرضى والمحتاجين للخدمات الطبية.
ركيزة صحية:
واستعرض وزير الصحة والتنمية الاجتماعية المكلف الأستاذ الناير نصر ملكة مسيرة اللواء طبيب محمد الحسن عبدالرحمن، متناولاً بإسهاب إسهاماته الكبيرة في دعم القطاع الصحي بالولاية، وأكد الوزير أن جنوب كردفان بفقدها له من موقعه الحالي إنما تفقد واحدة من أهم الركائز التي أسهمت في دعم الوزارة والمؤسسات الصحية خلال سنوات الحرب والأزمات، وقال إن الاحتفال بتكريمه لا يأتي بوصفه إجراءً بروتوكولياً، وإنما يمثل تعظيماً وتقديراً لما ظل يقدمه من خدمات جليلة للمرضى ولمصابي العمليات الحربية، مشيراً إلى أن حضوره كان سنداً حقيقياً للمنظومة الصحية بالولاية في أكثر فتراتها تعقيداً.
مدرسة حياة:
بكلمات ممزوجة بلواعج الشجن، وشدة التقدير والامتنان، أعرب اللواء الركن طبيب محمد الحسن عبدالرحمن عن بالغ سعادته بالمحبة الكبيرة التي وجدها من أهل كادقلي، مؤكداً أن هذا التكريم سيظل من أجمل المحطات في مسيرته المهنية، وقال إن التنقل بين المواقع المختلفة يمثل سنة طبيعية في العمل العسكري، لكنه سيحمل معه ذكريات لا تنسى من جنوب كردفان، مؤكداً جاهزيته واستعداده للعودة والعمل في كادقلي متى ما أتيحت له الفرصة، مبيناً أن سنوات عمله بولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة أضافت إليه الكثير من الخبرات والدروس الإنسانية والمهنية التي ستعينه في بقية مشواره العملي، معرباً عن امتنانه لكل من سانده وشاركه رحلة العمل خلال تلك السنوات.
ملائكة الرحمة:
وفي واحدة من أكثر الشهادات تأثيراً، وصفت الأستاذة أمل أحمد شداد، مدير هيئة إذاعة وتلفزيون ولاية جنوب كردفان، اللواء طبيب محمد الحسن بأنه ملك من ملائكة الرحمة سخره الله لخدمة إنسان الولاية الذي أنهكه الحصار، وقالت شداد في إفادتها للكرامة إن الرجل لم يكن طبيباً عادياً، بل تحول خلال سنوات الحصار إلى صمام أمان حقيقي للمرضى في كادقلي والدلنج، في وقت غادر فيه كثير من الأطباء المدينة بسبب الظروف الأمنية الصعبة، مبينة أن اللواء محمد الحسن ظل مرابطاً في غرفة العمليات، يجري أحياناً أكثر من عشرين عملية جراحية متواصلة دون أن يتوقف إلا لجرعة ماء، قبل أن يعود مجدداً لمواصلة عمله، وأكدت أن المواطنين اكتشفوا مع مرور الوقت أن خدماته لم تكن مقتصرة على العسكريين، بل شملت جميع المحتاجين من الأطفال والنساء والرجال الذين كانوا يجدون لديه الاهتمام والاستجابة الفورية، ونوهت أمل شداد إلى أن أكثر ما ميّز الرجل خلال سنوات الحصار هو روحه المتفائلة وابتسامته الدائمة رغم الضغوط الهائلة، إذ ظل يواجه كل التحديات بالإيمان والصبر والقناعة، حاملاً رسالته الإنسانية لكل من قصده طلباً للعلاج أو النجدة.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. لقد كان احتفال كادقلي بوداع قائد المستشفى العسكري، استفتاءً شعبياً واسعاً على قيمة العطاء الإنساني الصادق في زمن الشدائد، ذلك أن ثماني سنوات من الخدمة المتواصلة، وسنوات من الصمود تحت الحصار، ومئات بل آلاف المرضى الذين عبروا أبواب غرف العمليات أملاً في النجاة، صنعت جميعها رصيداً ضخماً من المحبة والاحترام للطبيب الإنسان، اللواء ركن محمد الحسن عبدالرحمن، ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في حقه أن أهل كادقلي لم يودعوا مسؤولاً غادر موقعه الوظيفي، بل ودعوا رجلاً أصبح جزءاً من ذاكرتهم الجمعية، ورمزاً من رموز الصبر والإنسانية والعطاء، في ولاية ظلت تقاوم الحرب بالأمل، وتواجه الألم برجال آمنوا بأن إنقاذ حياة إنسان واحد يساوي الدنيا وما فيها، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً.