
دكتور ياسر احمد ابراهيم. (الحلقه الاول ). أبوحمد… مدينة الأصالة والمعاصرة. على منحنى النيل… حيث يتعانق التاريخ والمستقبل
دكتور ياسر احمد ابراهيم. (الحلقه الاول ). أبوحمد… مدينة الأصالة والمعاصرة. على منحنى النيل… حيث يتعانق التاريخ والمستقبل
حين يمر النيل بأرض أبوحمد، لا يبدو كأنه مجرد نهر يشق طريقه بين ضفتي الصحراء، بل يبدو وكأنه يفتح صفحات كتابٍ عظيم من تاريخ السودان. هناك، على منحنى النيل في الضفة الشرقية، تقف أبوحمد ومنطقتها شامخة، محاطة بمئات الجزر والقرى والتجمعات السكانية، شاهدة على عراقة المكان وعمق الإنسان.
أبوحمد ليست مدينة وليدة؛ إنها أرضٌ ضاربة الجذور في أعماق التاريخ، ترقد فوقها آثار حضارات متعاقبة، وفي مقدمتها حضارة كوش التي تركت بصماتها الخالدة في وادي النيل. فالمقابر الأثرية والمعابد والشواهد القديمة المنتشرة في المنطقة تروي حكاية أجيال عاشت هنا، وبنت حضارة تركت أثرها في صفحات التاريخ.
ولا تتوقف حكاية المكان عند العصور القديمة؛ فآثار المعابد والكنائس والشواهد الدينية تؤكد أن هذه المنطقة كانت مسرحاً لحضارات وثقافات متعاقبة، قبل أن يصل الإسلام إلى السودان، ثم تبدأ مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة امتزجت فيها الحضارة الإسلامية بالموروث المحلي العريق.
وإذا كان التاريخ قد منح أبوحمد مجداً لا يقدّر بثمن، فإن الأرض منحتها كذلك ثروة طبيعية هائلة. فالمنطقة تزخر بالذهب، كما تحتضن خامات ومعادن أخرى مثل الرخام والمايكا والحديد وغيرها من الموارد التي يمكن أن تجعل منها واحدة من أهم مناطق التعدين والصناعة في السودان إذا أحسن استثمارها وإدارتها.
لكن أبوحمد لم تكن شاهدة على الحضارة وحدها؛ فقد كانت أيضاً جزءاً من صفحات المقاومة الوطنية. شهدت المنطقة مواجهات ومعارك ضارية ضد التوسع الاستعماري البريطاني، ووقف أهلها في وجه الغزو دفاعاً عن الأرض والكرامة، لتظل تلك الوقائع جزءاً من الذاكرة الوطنية التي تستحق أن تُروى للأجيال.
ثم جاء عهد الاستعمار، فتنبه إلى الموقع الاستراتيجي لأبوحمد، وأدرك أن من يسيطر على هذه المنطقة يملك مفتاحاً مهماً للتحرك نحو قلب السودان. وهنا برزت السكك الحديدية، التي أصبحت واحدة من أهم أدوات الحركة الاستعمارية؛ فتحولت أبوحمد إلى محطة رئيسية على طريق التقدم جنوباً، وعبرها تحركت القوات والإمدادات باتجاه مناطق السودان الأخرى.
وهكذا، تبدو أبوحمد في صورتها التاريخية مدينة جمعت المتناقضات الجميلة: حضارة قديمة، ومقاومة وطنية، وموقع استراتيجي، وثروة معدنية، ونهرٌ خالد، وإنسانٌ ظل وفياً لأرضه.
واليوم، ونحن نتطلع إلى سودان ما بعد الحرب، فإن السؤال لم يعد: ماذا كان دور أبوحمد في الماضي؟ بل: ماذا يمكن أن تكون أبوحمد في المستقبل؟
إن مدينة بهذا الموقع، وبهذه الثروات، وبهذا الإرث الحضاري، يمكن أن تتحول إلى مركز اقتصادي وسياحي وصناعي مهم، وأن تصبح جسراً يربط شمال السودان بشرقه وغربه، وميناءً برياً للتجارة، ووجهةً للسياحة الأثرية والتعدينية، إذا توفرت لها البنية التحتية والتخطيط والاستثمار الرشيد.
أبوحمد ليست مجرد مدينة على منحنى النيل… إنها ذاكرة وطن، وكنز حضارة، وبذرة مستقبل.