الأعمدة

دورة ساسف في نيويورك حضور يليق بالسودانيين وتنظيم لا يليق بهم سيف محمد جبريل

دورة ساسف في نيويورك حضور يليق بالسودانيين وتنظيم لا يليق بهم

سيف محمد جبريل

 

في يومي الخامس والسادس من سبتمبر 2026 تدفقت إلى نيويورك جموع هائلة من السودانيين أطفالًا وشبابًا وشيوخًا ونساءً ورجالًا، بمختلف ألوانهم و سحناتهم وملابسهم الزاهية، قادمين من ولايات ومدن بعيدة، يحملون فرحتهم وشوقهم إلى وطن تمزقه الحرب، ويأملون في حدث رياضي وثقافي كبير يجمعهم تحت راية واحدة. وفي وقت وجيز امتلأت الساحة بالآلاف، وقُدّر الحضور بنحو ثمانية آلاف شخص، في مشهد مهيب كشف الوزن الحقيقي للجالية السودانية وقدرتها على الحشد والتواصل، وأثبت أن الرياضة والثقافة لا تزالان من أقوى المساحات التي تستطيع جمع السودانيين بعيدًا عن الانقسامات السياسية والجهوية. وهذه هي الحقيقة الإيجابية الكبرى التي يجب ألا تضيع وسط الحديث عن الإخفاقات السودانيون حضروا بكثافة غير مسبوقة، ودفعوا ثمن التذاكر والطيران والفنادق، كما دعمت منظمات وأصحاب أعمال سودانيون الدورة بسخاء، لكن المؤسف أن مستوى التنظيم لم يكن في حجم هذا الحضور ولا في مستوى التضحيات التي قدمها الناس. وبحسب ما شاهدته بنفسي، فإن أول الأخطاء الجوهرية كان اختيار مزرعة بعيدة وغير مهيأة لاستضافة فعالية رياضية وثقافية جماهيرية بهذا الحجم فلا المرافق ولا المداخل ولا مواقف السيارات ولا الخدمات الأساسية كانت تتناسب مع آلاف الأشخاص، رغم أن حجم التعبئة كان يفرض توقع حضور قد يصل إلى عشرة أو اثني عشر ألفًا. لقد اعتاد السودانيون في الدورات السابقة في فيلادلفيا ودنفر وميشيغان على مستوى تنظيمي معين، ولذلك كان صادمًا أن يجدوا أنفسهم أمام موقع لا يرقى إلى الحد الأدنى المطلوب لمناسبة قومية ذات ميزانية ودعم جماهيري كبيرين. الخدمات كانت ضعيفة للغاية؛ فالدورات السابقة كانت تبدأ فيها خدمات الشاي والقهوة منذ الصباح، ويُقدّم الطعام في وقت مبكر، أما في نيويورك فقد وصل الطعام قرابة الساعة الثانية ظهرًا، ومع الإشادة بأن الطعام والحلويات كانا ممتازين، فإن التأخير والصفوف الطويلة أمام الشاي والقهوة كشفا غياب التخطيط الكافي لتلبية احتياجات هذا العدد الكبير. كما لم تتوفر مواقف سيارات مناسبة، وكانت المنطقة بعيدة، وخيارات الفنادق القريبة محدودة وغير مريحة لكثير من القادمين من خارج الولاية. أما تعامل شركة الأمن، فقد كان في عدد من المواقف التي شاهدتها فظًا وغير مهني، ولم يقتصر ذلك على الجمهور والعارضين، بل امتد حتى إلى بعض أعضاء اللجنة التنفيذية فقد رأيت الأستاذ علي جلاس، نائب الرئيس، يُمنع من الدخول بسيارته، وكان واضحًا أن شركة الأمن تلقت تعليمات صارمة بألا تتعامل إلا مع أشخاص محددين من لجنة نيويورك. ومن خلال متابعتي لحركة السيارات، بدا أن السماح بالدخول لم يكن قائمًا على قواعد واضحة ومعلنة للجميع، بل ظهرت انتقائية ومحاباة استفاد منها بعض أصحاب العلاقات والمعارف، بينما مُنع آخرون، بمن فيهم أسر كانت ترافق نساءً كبيرات في السن احتجن إلى الدخول بالسيارة بدلًا من السير لمسافات طويلة. وبلغ الأمر أنني توسلت للسماح لإحدى السودانيات بإدخال مستلزماتها الخاصة ببازارها، لكن طلبها رُفض، وحتى عندما تدخل رئيس ساسف جنابو خالد موسى وطلب من مسؤول الأمن السماح لها بالدخول، قوبل طلبه بالرفض والصراخ والتعامل غير اللائق. وقد تحمل أصحاب البازارات معاناة كبيرة، رغم أن بعضهم دفع نحو مئة دولار عن اليوم الواحد، واشتكى عدد منهم من أن الصور والمعلومات التي عُرضت عليهم قبل الحجز لم تكن مطابقة لما وجدوه على أرض الواقع، وهذه شكاوى تستحق تحقيقًا موثقًا يحدد ما وُعد به العارضون وما تم توفيره لهم فعلًا، وينظر في إنصاف من لحق بهم ضرر. كما شاهدنا أطفالًا يلعبون بعربات التسوق داخل الموقع ويدفع بعضهم بعضًا بها، في ظل غياب الرقابة ومساحات اللعب الآمنة، وكان من الممكن أن تقع إصابات خطيرة لا قدر الله. ولم يكن الخلل محصورًا في الموقع والخدمات، بل ظهر كذلك في طريقة إدارة العمل الإعلامي والتقني فقد تطوعت للعمل مع المكتب الإعلامي، وعملنا على إنشاء موقع إلكتروني موحد كان من المفترض أن يكون المنصة الرسمية للدورة وبداية لبناء قاعدة بيانات دائمة للاتحاد، لكن لجنة نيويورك اتخذت خطوات منفردة وأنشأت وسائل دفع وتطبيقات وترتيبات أخرى خارج المنصة المتفق عليها، ففقد الاتحاد فرصة مهمة لبناء نظام مؤسسي يجمع معلومات المشاركين والجمهور والفرق والعارضين في مكان واحد. العمل القومي لا يمكن أن يدار بجزر منفصلة، ولا يجوز لكل لجنة ولائية أن تنشئ أنظمتها وتتخذ قراراتها بعيدًا عن المؤسسة الأم، لأن النتيجة ستكون الارتباك وضياع المعلومات وغياب المساءلة. ومن أكثر الأخطاء إيلامًا ما حدث بشأن الحفل الختامي يوم الأحد فقد كان الجمهور ينتظر تحديثًا رسميًا يوضح مكان الحفل وترتيبات الدخول، وكنت موجودًا في مجموعة المكتب الإعلامي، ومع ذلك لم يصل أي تحديث عام إلى الناس، ثم أُتيح الحفل لفئة محددة دون إعلان واضح ومتكافئ للجميع. هذا تصرف خاطئ وفيه عدم شفافية لا يمكن تبريره؛ فإذا كانت القاعة لا تستطيع استيعاب الجمهور، كان الواجب إلغاء الحفل أو إعلان شروط دخول واضحة وعادلة، لا تحويله إلى مناسبة انتقائية يحضرها من وصلته المعلومة أو كانت له معرفة بالمنظمين. الناس الذين تحملوا نفقات السفر والإقامة وجاؤوا من ولايات بعيدة كانوا يستحقون الاحترام والمعلومة في الوقت المناسب، ولذلك فإن اللجنة التنفيذية مطالبة بإصدار بيان واضح يشرح ما حدث، ويحدد من اتخذ قرار الحفل وكيف تم اختيار الحضور، ويقدم اعتذارًا صريحًا للجمهور. وللإنصاف، فقد تابعت عن قرب المجهودات الكبيرة التي بذلتها اللجنة التنفيذية لساسف برئاسة الأخ خالد موسى، وشاهدت حرصهم ومحاولاتهم المستمرة لإنجاح الدورة وإخراجها بصورة تليق بالسودانيين، لكن لجنة نيويورك المنظمة خذلتهم على المستوى التشغيلي ولم تكن مؤهلة لإدارة حدث بهذا الحجم. ومع ذلك، فإن الإشادة بمجهودات اللجنة التنفيذية لا تعفيها من مسؤولية الرقابة فالقيادة لا تستطيع أن تطلق الحبل كاملًا للجنة الولاية ثم تتبرأ من النتائج، لأن المسؤولية النهائية عن اسم الاتحاد وسلامة الجمهور وحقوق المشاركين تقع على المؤسسة كلها. المطلوب الآن ليس تبادل الاتهامات أو دفن الأخطاء، بل إجراء تحقيق إداري ومالي وتشغيلي كامل وشفاف يشمل كيفية اختيار الموقع، وسعته وتراخيصه، وحجم الأموال التي جُمعت من التذاكر والتبرعات والبازارات، والعقود المبرمة مع إدارة الموقع وشركة الأمن ومقدمي الخدمات، وتعليمات دخول السيارات، وترتيبات مواقف السيارات، وما قُدم للعارضين من وعود، وأسباب إنشاء أنظمة دفع وتطبيقات خارج الموقع الرسمي، وكيف اتُخذ قرار حفل الأحد، ولماذا لم يُبلغ الجمهور بالتطورات في الوقت المناسب. كما ينبغي نشر خلاصة التحقيق للرأي العام، وتحديد المسؤوليات بوضوح، والاعتذار للمتضررين، ووضع معايير ملزمة للدورات القادمة تشمل التسجيل المسبق، والتقدير الواقعي للحضور، واختيار منشآت معتمدة، وخطة أمن وسلامة، ومواقف سيارات ونقل جماعي، وعقودًا مكتوبة للعارضين، وتسلسلًا واضحًا للقيادة، ومنصة إعلامية وتقنية واحدة، ونظامًا عاجلًا لإبلاغ الجمهور بأي تغيير. المحاسبة هنا ليست هجومًا على ساسف ولا تقليلًا من قيمة المتطوعين، بل هي الطريق الوحيد لحماية الاتحاد وتطويره؛ فالمؤسسات المحترمة لا تخشى الاعتراف بأخطائها، وإنما تتعلم منها وتمنع تكرارها. لقد أثبت السودانيون في نيويورك أنهم مجتمع كبير وحيوي وقادر على أن يجتمع بالمحبة رغم الحرب والانقسامات، ولذلك فإن هذا الجمهور يستحق تنظيمًا يحترم وقته وماله وكرامته وسلامته. نجاح الحضور يُحسب للسودانيين، والمجهود الصادق يُحسب لكل من عمل بإخلاص، أما الإخفاق التنظيمي فيجب ألا يضيع بين المجاملات لأن وحدتنا الحقيقية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل بالعدالة والشفافية والمهنية واحترام الناس.

 

سيف محمد جبريل

ولاية كاليفورنيا

8 سبتمبر 2026

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى